«بالحجم العائلي»: كوميديا كورق السلوفان تسوِّغ إدعاء «ما تفسده المرأة يصلحه الرجل»

يعود الممثل الكبير «يحيي الفخراني» إلى المنافسة في موسم دراما رمضان 2018، بعد غيابه الموسم الماضي، بمسلسل عائلي كما يحب، وعلى عكس «ونوس» الذي قدمه في موسم رمضان 2016، وكان من مسلسلات الدراما الاجتماعية المعقدة، فإن مسلسل «بالحجم العائلي» ينتمي إلى القالب الاجتماعي المسلي والخفيف. نحن أمام مسلسل يناقش فكرة الاستقرار والترابط الأسري، وعلى الرغم من أنها قد تبدو مكررة، فإنها تكتسب بريقًا من حضور ممثل استثنائي مثل «الفخراني»، يصاحبه سلاسلة في تتابع الأحداث، يحكمها السيناريست «محمد رجاء» بالتعاون مع المخرجة «هالة خليل» في أول مسلسل تلفزيوني لها بعد أفلامها الثلاث؛ «أحلى الأوقات»، و«قص ولزق»، و«نوارة» وتجربة سيت كوم بعنوان «شباب أونلاين».

يصاحب المسلسل احتفاء مبعثه ما وصف بكوميديا تناسب البيوت، إذ يرى مشاهدون ونقاد أن المسلسل يقدم نوعًا من الكوميديا الهادئة والراقية، التي تناسب طبيعة التجمعات الأسرية الملتفة حول التلفاز خلال شهر رمضان، لكن المسلسل لم يحقق عبر مشاهداته على موقع المقاطع المصورة – يوتيوب، أيًا من المراكز الثلاث الأولى، التي احتكرها «كلبش 2» و«نسر الصعيد» و«رحيم».

باختصار..
تدور أحداث المسلسل حول السفير السابق «نادر التركي» ويؤدي دوره «يحيي الفخراني». رجل ترك حياته في القاهرة وعمله في السلك الدبلوماسي، ليعمل في المجال الذي يحبه وهو «الطهي»، فينتتقل من القاهرة إلى مرسى علم، ليؤسس فندقًا يديره ويمارس هوايته المفضلة في الطبخ، بينما ترفض زوجته القبول بالوضع الجديد، وتقرر أن تنفصل عنه – دون طلاق-  وتعيش وأبنائهما الأربعة في القاهرة بعيدًا عنه، لكن مع تقدم العمر، يزداد شعوره بالوحدة، لا سيما أن علاقة أولاده به، توقفت على الاستفادة المادية مما يمتلكه من ثروة. يبحث «نادر» عن وسيلة للم شمل أسرته حوله، لتبدأ رحلة استعادة الاستقرار الأسري المفقود.

حضور نسائي لافت أمام الكاميرا ومحدود خلفها

يتميز مسلسل «بالحجم العائلي» بمساحة جيدة للحضور النسائي على الشاشة، وعلى الرغم من أن الشخصية الرئيسية هي شخصية «نادر»، فإن الفعل نفسه مصدره زوجته «ثريا» وتؤدي دورها «مرفت أمين»، بينما يتخذ «نادر» دائمًا رد الفعل، لتصحيح ما تفسده زوجته.

علاوة على شخصية «ثريا»، يزيد الحضور مع الابنتين «هدى» وتؤدي دورها «يسرا اللوزي»، و«رانيا» وتؤدي دورها «ديانا هاشم»، بالإضافة إلى زوجات الأبناء، «نهى» وتؤدي دورها «سمر يسري»، و«أميرة» وتؤدي دورها  الأردنية «ركين سعد»، إلى جانب «ليلى عز العرب» التي تؤدي دور «عزة» شقيقة «ثريا». وخارج إطار الأسرة، تبرز شخصية «رشا» وتؤدي دورها «ندى موسى»، و«فاتن» وتؤدي دورها «شيماء سيف».

هذا القدر من الشخصيات النسائية، يقابله أيضًا حضور ذكوري متكافئ، من خلال شخصيات الأشقاء والأزواج وابن العم.
أما عن الحضور النسائي خلف الكاميرا، فالمسلسل من إخراج «هالة خليل»، وفي الإنتاج تتشارك المنتجة «منى قطب» مع المنتج «إبراهيم حموده»، وتقوم بأعمال المونتاج المونتيرة «منى ربيع»، ويأتي اسم «سمر قبيصي» كـPost Producer، و«نيفين حشاد» كــCreative producer، أما سكريبت الملابس لــ«إنجي علي علي»، وتشارك في مهام مونتاج الصوت «سلمى رضوان».

النساء.. شخصيات أحادية!

قدمت المخرجة «هالة خليل» في تجاربها السينمائية الثلاث، وتحديدًا فيلمي «أحلى الأوقات» و«نوارة»، ما يمكن إدراجه في خانة أفلام التيار النسوي، أما في هذا العمل، فيبدو – حتى الاَن – أنه يلتزم بالإطار النمطي في تقديم ومعالجة أغلب شخصياته النسائية، التي لم يظهر منها طيلة 14 حلقة، سوى جانب واحد، دون  كشف عن وجوه أخرى لهذه الشخصيات أو تفاعل مع دواخلها، بداية من زوجة متسلطة، وجهها متجهم طوال الوقت، تصرخ فيمن حولها، حتى ابتساماتها مفتعلة وعادةً ما تخفي تنمرًا كبيرًا، ثم يتكشف تباعًا أنها سبب الفشل المشترك بين أبنائها، بسبب تدخلاتها في شؤون حياتهم وتقرير مستقبلهم بما يتناسب ووجاهتها الاجتماعية، ويضع صناع العمل الحل في يد «نادر»، فيعمل على إصلاح ما أفسدته زوجته بما يملكه من حكمة وحب للحياة.

الابنة الأكبر وهي «هدى» أقرب لأن تكون نسخة من والدتها؛ وجه عابس، وصوت عالٍ في أغلب الأحيان، زجر مستمر لابنتها الصغيرة، وتحاول دائمًا بإيعاز من أمها أن تمنع الصغيرة من الاختلاط بوالدها، فضلًا عن اعتماد مادي على الأب ومعنوي على الأم، قد يُنظر  إلى ما تعانيه «هدى» من مشاكل مع زوج مستغل ومبتز، يستخدم ابنتهما كوسيلة للضغط عليها ماديًا، كمبرر لهذه الصلابة والقسوة، لكن على مدار 14 حلقة كاملة، لم يتسع المجال للشخصية لتتحدث في حوار هادئ أو لتنكشف صراعاتها الداخلية، لنبقى أمام فتاة ترتسم على وجهها إمارات الغضب أغلب الوقت سواء كان ذلك بمبرر أو بدون.

الشقيقة الصغرى وهي «رانيا»، التي تخفي أنها أم لطفل، أنجبته خارج إطار الزواج، عندما كانت تدرس في ألمانيا، وحتى تحافظ الأم على الأمر سرًا وتخفي «الفضيحة»، قررت أن تدعي أمام المحيطين أن الطفل ابن شقيقها «إيهاب» وزوجته «أميرة»، وهو الوحيد بين أشقائها الذي ساعدها واستقبلها لتعيش معه عقب عودتها من ألمانيا، حتى تظل قريبة من ابنها. تجد «رانيا» نفسها مضطرة للقبول بالرجل الوحيد الذي استطاعت الأم أن تغريه بمكتسبات مادية وأدبية، ستعود عليه إذا قبل الزواج من ابنتها، حتى تستطيع من نسب الطفل له كأب، ويظل نهج الأم المتبع في معالجة كل ما يخص أبنائها هو البحث عن حل يحافظ على المظهر الاجتماعي لها، بغض النظر عما يعتمل داخلهم.

أما زوجات الأبناء، فالأولى يظهرها العمل كامرأة مادية، تزعج العائلة الأرستقراطية بطريقتها وأسلوبها وحتى مظهرها، ويتعامل معها أفرادها باعتبارها الأقل بينهم، وهي تجسيد للصورة النمطية عن «الزوجة النكدية» التي تتسبب في نفور زوجها وإقدامه على خيانتها بشكل اعتادت الدراما المصرية على تقديمه دون ملل أو كلل، أما الثانية وهي «نهى» فهي امرأة معنفة، اعتاد زوجها الاعتداء عليها جسديًا حتى بعد طلاقهما، ومع ذلك فما زالت متمسكة به، وبالحلول الواهية التي يطرحها والده «نادر» حتى تعود إليه.

ابتلاع الصور النمطية بسلاسة

شخصية «ثريا» التي تؤدي دورها «ميرفت أمين» تشارك بشكل أساسي فى تحريك أحداث المسلسل، بل إنها أصل الفعل، فهي التي شكلت هذه البيئة بكل ما فيها من تعقيدات، يحاول تفكيكها وحلها زوجها «نادر». يقدمها المسلسل امرأة عنيدة وصلبة ومتعنتة، لا يهمها سوى المظاهر الاجتماعية، والأهم بالنسبة إليها هو الحفاظ على وضعها المرموق، يهابها الجميع، وفي المقدمة أبنائها الذين تحركهم كعرائس الماريونت. على السطح، تبدو «ثريا» امرأة تحملت مسؤولية أبنائها وحيدة، فكانت سببًا في وصولهم إلى درجات مروقة في الحياة العامة، فأضحى أحدهم يعمل بالسلك الدبلوماسي، والاَخر طبيب وروائي وإحداهما صاحبة شركة إعلانات، لكن العمل لم يترك مجالًا ليصح هذا التصور أو ليثبت حقها في هذا المنجز، فقد أظهر العمل هذه المناصب قشرة تغطي فشلًا غائرًا، فمن يعمل السلك الدبلوماسي، نال المنصب بواسطة اسم أبيه، وهو شاب سليط اللسان، انتهت علاقته بزوجته «نهى»  بالطلاق، بعد مرارة أذاقها لها. لم تكن تلك الزوجة اختياره وإنما اختيار الأم التي فضلت أن تزوجه بابنة شقيقتها في إطار الحفاظ على المظهر الاجتماعي، تتابع الأحداث ليتضح أنه قد تزوج بصديقة أمه سرًا بعد طلاقه من الأولى. أما الطبيب، فهو متعثر في طريقه المهني بين ما يريد الوصول إليه وما اختارته له أمه، فضلًا عن علاقة زوجية باردة، يحمل مسؤولية ما اَلت إليه بالكامل إلى زوجته، ويجده مبررًا كافيًا للخيانة، بينما تفشل صاحبة شركة الإعلانات في مشروعها، وتكتشف أن زوجها الذي اختارته رجل مستغل، فتنتهي العلاقة بطلاق، وتسوء علاقتها بابنتها التي تبدو علاقتها بوالدها أكثر تفاهمًا. في المقابل، تمضي الأحداث باتجاه يحول هذه الاضطرابات التي خلقتها الأم إلى استقرار بين يدي الأب.

العنف الذكوري مُستساغ

الأخ الأكبر وهو «مراد» ذلك الرجل الفظ الذي تسبق يداه لسانه كلما أصابه الضجر، هو من تتكئ الأسرة عليه، فغطرسته تلك محببة لدى شقيقته «هدى» في مواجهة طليقها، وتتسامح أمه مع أخطائه بما فيها عنفه ضد زوجته. فتمرر بسلاسة اعتداءه على طليقته بالضرب أمام أبنائهما، حتى أسقطها من أعلى المركب الذي كانوا عليه، في عرض البحر، بينما لم يتجاوز رد فعل الأب بعض اللوم، حتى بعد أن علم بأن هذا الاعتداء ليس الأول.

يمر الأمر وكأن شيئًا لم يكن، رغم الأثار النفسية والجسدية التي لحقت بـ«نهى»، ويدعم الجميع خيار فرصة جديدة لزوج اعتاد تعنيف زوجته حتى بعد طلاقهما،  حتى كادت تفقد حياتها إثر عنفه. الأمر يتعدى التصالح مع الجرم ليتحول إلى عملية تبرئة لمرتكبه، يشارك فيها حتى المرأة المعنفة وأمها، بعد أن أرجعتا أفعاله إلى تدخل أمه «ثريا» في حياتهما، ويصبح الحل في نظر «نادر» الذي يبرزه العمل كمالك الحلول كلها، هو عودة الزواج، بغض النظر عما ارتكبه ابنه «مراد» بحق «نهى»، وهو الأمر الذي تقبله الأخيرة بقناعة ورضا.

على الجانب الاَخر، يقدم العمل شخصية «رشا»، مدربة الزومبا كنموذج للفتاة المستقلة، التي تربطها علاقة قوية بــ«نادر»، تتجاوز كونه مديرها، فهو ومعه العاملين بالفندق، هم من دعموها في التخلص من زوج كان يمارس عليها عنفًا، انتهى بها في إحدى المرات داخل المستشفى، لكن بمجرد انشغال «نادر»، تعود بنفسها إلى الرجل الذي كان سببًا في تعاستها، ثم تحمل غياب «نادر» مسؤولية ما حدث. تعود «رشا» إلى الاَم الذي خرجت من دائرته، لتصبح النموذج الثاني بعد «نهى»، لناجية من عنف، تألف التصالح والتعاطف مع مرتكبه.

مريم صابر

كاتبة متخصصة في شؤون وقضايا المرأة، يمكنكم التواصل معها عبر:
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *