«الأميرة والضفدع» و«ملكة الثلج»: التحول الأكبر في معالجة «ديزني» لـ«الأميرات».. يقدن حيواتهن والأمراء لم يعودوا «محرك الأحداث»

هذا هو التقرير الرابع في سلسلتنا «ديزني وما فعلته أميراته بنا» 

لمطالعة التقارير السابقةبرجاء النزول إلى أسفل الصفحة ⇓

مع  نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة، أحدثت «ديزني» تغييرًا كبيرًا، في صياغتها لشخصية الأميرات، وعلى الرغم من أننا في تقريرنا السابق، استعرضنا تطورًا طرأ على معالجتها للأميرات من خلال فيلمين صدرا في التسعينيات، وهما «بوكاهانتس» و«مولان»، لكنه يظل محدودًا ومحفوفًا بالصبغة الذكورية، مقارنةً بالاستجابة الملموسة للخطاب النسوي، التي تنجلي في الفترة الأخيرة، وتحديدًا منذ العام 2009، مع صدور فيلم «الأميرة والضفدع – The princess and the Frog».

على مدار عقود طويلة، قدمت «ديزني» أميراتها في صورة هشة وتحتاج دومًا إلى موجه، ورغم أنهن الشخصيات الرئيسة في الأفلام، لكن يظل الأمراء هم المحرك الفعلي للأحداث، لكن تحولًا وتقدمًا عرفته أميرات الألفية الجديدة، خاصة في العقد الثاني منها، ويبدو أن الموجة النسوية الرابعة تفوقت على الموجات السابقة في ترك بصمة محسوسة على أفلام «ديزني».

في تقريرنا التحليلي الرابع والأخير، ضمن سلسلة «ديزني وما فعلته أميراته بنا»، نتناول اثنين من أشهر أفلام «ديزني» في عصر النهضة الثاني لعملاق الرسوم المتحركة، وقد صدرا إبان صعود الموجة النسوية الرابعة، وهما «الأميرة والضفدع» الصادر في العام 2009 و«ملكة الثلج» الصادر في العام 2013.

الأميرة والضفدع: أول أميرة «سمراء» في تاريخ «ديزني»

يعتبر «الأميرة والضفدع» أول فيلم يقدم أميرة «سمراء»، مما يعد كسرًا لعنصرية اتسمت بها «ديزني» تجاه أصحاب البشرة «السمراء» منذ صدر فيلمها الطويل الأول «سنووايت والأقزام السبعة» في العام 1937، لكن ذلك لا يمكن قراءته بمعزل عن وصول أول أمريكي من أصول إفريقية إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة، وهو «باراك أوباما»، الذي تسلم مهامه في بداية العام الذي صدر فيه الفيلم.

تدور أحداث الفيلم حول «تيانا»، وهي فتاة من ذوي البشرة السمراء، ولدت لأسرة فقيرة، يعمل والدها طباخًا بينما تعمل والدتها خياطة. وتحلم منذ الصغر بامتلاك مطعم باسمها، يتخصص في عمل الحلوى التي تجيد صناعتها. ما يميز «تيانا» عن كثيرات من أميرات «ديزني» هو أن هدفها الرئيس هو تحقيق حلمها وطموحها بنفسها من خلال العمل والاجتهاد، بينما يتراجع  اهتمامها بالبحث عن الأمير وانتظاره.

هذا الفيلم هو التاسع والأربعين في سلسلة أفلام «ديزني»، ومن إخراج «جون موسكر» و«رون كلمينتس»، وأدت صوت «تيانا» الممثلة «أنيكا نوني» وأدى صوت الأمير  «نافين» الممثل «برونو كامبوس»، واستقبلت بعض دور العرض الفيلم، في ولايات محدودة، في نوفمبر من العام 2009، ثم بدأ العرض الجماهيري الأوسع في ديسمبر.

الفيلم هو معالجة متقدمة لإحدى الحكايات الشعبية الأوروبية وهي «الأمير الضفدع»، وهي واحدة من تلك التي جمعها الأخوان «جريم» في كتاب، واستخدمتها «ديزني» كأساس لعدد من أفلامها، لا سيما تلك التي أنتجتها في مرحلتها الأولى.

بلغت تكلفة الفيلم نحو 105 مليون دولار، وحقق إيرادات وصلت إلى نحو 268 مليون دولار في شباك التذاكر العالمي، وبالإضافة للنجاح الجماهيري فقد لاقى استحسانًا من جانب النقاد، ووصف بأنه واحد من أفضل معاجلات «ديزني» للقصص الشعبية القديمة.

«تيانا»: على عكس السابقات.. أميرة طموحة وعاقدة العزم

«تيانا» التي يبرز الفيلم ظروفها المعيشية الصعبة، تحت وطأة الفقر والعنصرية، التي تطال أصحاب البشرة السمراء، إذ تظهر في البداية، أمها تعمل بالحياكة لدى أسرة من أصحاب البشرة البيضاء، ويبرز الفارق بين حال الطفلة «تيانا» والطفلة «شارلوت»، التي ستظل في مرتبة أعلى ماديًا واجتماعيًا من الأولى.

نموذج الأميرة «تيانا»، يناقض تمامًا النماذج الضعيفة، أو التي تعيش حالة من التيه، أو التي تتمنى العيش مع زوج تحبه وتختاره بنفسها دون وصاية، فهي فتاة مستقلة وطموحة، وتعاند الظروف التي لا تقف بجانبها في أغلب الأحيان، ولا تمل من الكد والكفاح من أجل تحقيق حلمها في تأسيس مطعمها الخاص.

في لحظة ما يتملكها الإحباط الشديد، بعد تبدد حلمها في امتلاك المطعم، الذي طالما كافحت من أجله، فتستسلم لتصديق أسطورة «الأمير الضفدع»، وتقبل الضفدع الذي يخبرها أنه الأمير «نافين» وينتظر قبلة أميرة ليعود إلى حاله، وحينها سيساعدها في تحقيق حلمها، لكن لأنها ليست أميرة، تتعقد الأمور وتصبح هي الأخرى ضفدعة، فتدرك حينها أنها أخطأت عندما ظنت ولو للحظة أن الحلم قد يتحقق عبر الطريق السهل.

مزيد من التأكيد.. الأغاني تعبأ الأجواء بالحلم والطموح

يجمع الفيلم إلى جانب المشاهد الحوارية، جملًا استعراضية وغنائية، تحمل رسائل محددة، فيما يتعلق بالتمسك بالحلم، وبذل كل ما هو في الإمكان من طاقة ومجهود وسعي من أجل تحقيقه، مثل أغنية «Almost There» – «أوشكت على الوصول»، التي تمثل حوارًا بينها بين أمها، وفيها تحاول الأخيرة إقناع ابنتها بالزواج والتمتع بالحياة كغيرها من الفتيات، بينما تؤثر «تيانا» حلمها على هذه القناعات التقليدية، وتتغنى فرحًا بعد أن أضحى بإمكانها شراء مكان لتقيم فيه المطعم، رغم الانتقادات التي تحاول النيل من عزيمتها، وتشكك في قدرتها على تنفيذ المشروع بمفردها لصغر سنها وعدم قدرتها على توفير الأموال اللازمة.

أما أغنية «أحفر أعمق قليلًا» التي غنتها شخصية «ماما أودي» التي أدت صوتها «أوبرا وينفري»، فكلماتها ترفض العنصرية، وتؤكد أن الجنس والشكل واللون والأصل لا يهم، والأهم أن يجد الإنسان نفسه بنفسه، ليحقق السعادة، مؤكدةً أن السعادة ليست في المال، وهي رسالة تصب في نفس الاتجاه الذي تمضي فيه أحداث الفيلم.

حمل الفيلم إشارات تدعم أصحاب البشرة السمراء، إلى حد السخرية من ذوي البشرة البيضاء، أصحاب النفوذ والمال، في تصوير المجموعة الأولى، وهم الطبقة الكادحة، التي لا تكل من طرق أبواب العمل مهما كان شاقًا، وتخوض المغامرات من أجل تحقيق الأحلام، بينما تبدو المجموعة الثانية أكثر سطحية، واعتمادية على ما لها من نفوذ وسلطة ومال، وهو ما يعكسه الفارق بين شخصيتي «تيانا» و«شارلوت»، التي ينصب جل تفكيرها في الإيقاع بالأمير «نافين»، حتى تتزوجه وتنال لقب «أميرة».

نجحت «تيانا»: الفيلم لم ينتهِ عند مشهد «الزواج»

ينتهي الفيلم بزواج الضفدعين «تيانا» و«نافين»، ليعودا بشرين بعد أول قبلة بينهما، لكن ذلك يعقبه لقطات، تجسد نجاح «تيانا» في شراء المكان الذي عزمت على أن تقيم فيه مطعمها، ومن ثم مراحل تأسيس المطعم، ثم افتتاحه، واللافت هو أن «تيانا» هي المُقرِر والناجح في تحقيق حلمه، بينما «نافين» الذي كان يعاني حالة تيه أدت به إلى أن يصبح أميرًا صعلوكًا، وجد ضالته معها، وهنا هو ليس القائد وإنما مساعد أو شريك في مطعمها، الذي خاضت المغامرات ليصبح حقيقةً.

الفيلم الثاني الذي نتناوله في تقريرنا، هو «ملكة الثلج» – «Frozen»، الذي عرض لأول مرة في نوفمبر من العام 2013، وهو صاحب أعلى إيرادات في تاريخ «ديزني» والفيلم العاشر في قائمة أكثر الأفلام حصدًا للإيرادات في تاريخ السينما الأمريكية، حيث بلغ حجم إيراداته نحو  2 مليار دولار، بينما بلغت تكلفته 150 مليون دولار. «ملكة الثلج» هو أول فيلم لـ«ديزني» يقدم أميرتين في فيلم واحد، وقدمته بتقنية الـ3D، وقد فاز الفيلم بجائزة أوسكار أفضل فيلم تحريك (رسوم متحركة) في العام 2014،  وجائزة أفضل أغنية لفيلم رسوم متحركة وهي «دعها تذهب – Let it go»، كما حصل على جائزة أفضل فيلم رسوم متحركة ضمن جوائز جولدن جلوب في العام نفسه.

حاولت «ديزني» استغلال نجاحه غير المسبوق، وأنتجوا جزءًا ثانيًا بعنوان «ملكة الثلج2» في العام 2015، ثم أصدرت جزءًا ثالثًا بعنوان «حمى الثلج» في العام 2017، لكن لم  يرق أحدهما للنجاح الكبير الذي حققه الفيلم الأصلي (الأول).

تدور أحداث الفيلم حول  أميرتي «إريندل»، الشقيقتين «إلسا» و«أونا». الشقيقة الكبرى وهي «إلسا» تمتلك قدرات خارقة، وتحول كل ما تلمسه إلى جليد، فيحاول والدهما  إبعادها عن «أنا» حفاظًا عليها، ويفصل بينهما طوال حياتهما. بعد وفاة والديهما في عاصفة ثلجية، يؤول حكم البلاد إلى «إلسا»، فيحدث اللقاء الأول بعد انقطاع بين الشقيقتين في حفل التتويج، وتتطور خلاله الأمور، لتدخل البلاد في شتاء أبدي بسبب غضب «إلسا» من «أونا».

كيف نجا «ملكة الثلج» من اتهامات «النسوية الزائفة»؟

هناك من يعتبر أن فيلم مثل «مولان» (إنتاج العام 1998)، كان نموذجًا للأفلام التي صدرتها «ديزني» باعتبارها أفلامًا نسوية، بينما هي في الحقيقة الأمر، ليست كذلك، حتى وإن كانت الأميرة تبدو متمردةً على القوالب النمطية، وهذا الاتهام طال عددًا من أفلام «ديزني» بما فيها «ملكة الثلج»، لكن هذا الفيلم تحديدًا يملك من المقومات ما يجعله متجاوزًا لهذا الاتهام.

العالم يدور في فلك امرأتين

المحرك الرئيس في الفيلم هو الملكة «إلسا» التي تملك قدرات خارقة، تمكنها من تغيير وجه البلاد، أما «أونا» فهي التي قد تبدو في البداية أميرة تقليدية تبحث عن أمير، لكن سرعان ما يتبين أنها فتاة شجاعة، لا تهاب خوض مغامرة وعِرة، من أجل الوصول إلى أختها وحتى تحمي بلادها، التي تغرق في الثلج.

اللافت في الفيلم أن أغلب الحوار، يدور عن امرأة وهي «إلسا»، ملكة الثلج، وليس رجل كما جرت العادة في أفلام «ديزني» التي يغلب الحديث فيها عن الرجل أي الأمير، وعلى غير المعتاد في الأفلام السابقة أيضًا، لم يكن الرجل هو المنقذ، فعندما تحولت «أونا» إلى قطعة من الثلج، وكان العلاج بقبلة أو قدر من الحب الصادق، لم يأتيها من الأمير «هانز» الذي ظنت أنه يحبها، وإنما أعادها للحياة الحب الصادق في قلب شقيقتها.

«أونا»: اكتشاف الذات.. اكتشاف القوة

بينما تظهر «إلسا» باعتبارها الأخت الكبرى المتحفظة، التي تملك رجاحة عقل، تؤهلها لحكم البلاد، على الجانب الاَخر، تبدو «أونا» أكثر رعونة، وتعطشًا للحب، فتقرر الزواج بأول من تحب، وهو ما ترفضه الأولى. مع تطور الأحداث، تبدأ «أونا» رحلة تكشف أنها أكثر شجاعة في مواجهة الصعاب، وتحديًا لكل ما قد يعوق وصولها إلى هدفها، بل إنها تنقذ رجل الجبال «كريستوف» أكثر من مرة، رغم أنها عاشت معزولة في القصر لسنوات، لا تعرف شيئًا عن العالم الخارجي، كما يتبين تباعًا أن «إلسا» تعيش حالة خوف من نفسها ومن قدراتها، بسبب ما زرعه الأبوان داخلها منذ الطفولة، لكن في النهاية تكتشف بنفسها أنها باستطاعتها توجيه قدراتها نحو الخير، طالما كانت مدفوعة بحب وليس خوف أو غضب.

نهاية انتصرت فيها الأختان على الخذلان الذكوري

ما يميز النهاية، هو انتصار «إلسا» و«أونا» على أشخاص وأشياء كثيرة، بداية من الانتصار على عزلتهما، والقضاء على الخوف الذي سكن داخل «إلسا» لسنوات طويلة، ثم تجاوزها للأزمة التي كادت تودي بحكمها إلى الضياع، واستعادة بلادها قبل الهلاك، وحمايتها من الطامعين فيها، وفي مقدمتهم الأمير «هانز» القادم من جزر الجنوب، الذي يجسد الخذلان الذكوري لا سيما مع «أونا»، التي أوهمها بحبه في حفل التتويج مستغلًا تعطشها للحب، لكن النهاية كانت لصالحها، عندما ردت عليه بحزم قبل القبض عليه وإعادته إلى بلادها، وهنا أيضًا لم تدع مجالًا لحبيب جديد وهو «كريستوف» لينتقم منه، وإنما منعته من ذلك، ليكون الرد من جانبها وليس بيد رجل نيابة عنها.

المشهد الأخير ويعد واحدًا من أفضل نهايات «ديزني»، ليس لأنه لم يكن مشهد الزواج المعتاد فحسب، فثمة أفلام سبقته إلى ذلك، وإنما لأن الفيلم قرر أن ينتهي بانتصار الأختين على كل ما سبق، بما فيه عزلة كل منهما عن الأخرى، وتحول قدرات «إلسا» الخارقة إلى مصدر سعادة لأهل البلاد، وفي قلب الاحتفال لا تحتاج «أونا» لرجل ليوجهها، وإنما تمسك شقيقتها بيدها، وتساعدها على التزلج على الجليد، الذي صنعته لتسعدها وتسعد الشعب.

لمراجعة التقرير الأول في سلسلة «ديزني وما فعلته أميراته بنا»:

«سنووايت» و«سندريلا»: حتى إن كان الفيلم يدور حولها.. الأميرة «مفعول به».. تنتظر لعبة قدر تنصفها وأمير ينقذها

لمراجعة التقرير الثاني في سلسلة «ديزني وما فعلته أميراته بنا»:

«حورية البحر الصغيرة» و«علاء الدين»: أميرات «ديزني».. من خنوع إلى تمرد على سلطة الأب.. لكن في حدود اختيار الشريك

لمراجعة التقرير الثاني في سلسلة «ديزني وما فعلته أميراته بنا»:

«بوكاهانتس»: خروج عن قالب الأميرات التقليدي ونهاية وضعت البطلة وحيدةً على القمة.. «مولان»: محاولة إنتاج فيلم نسوي انتهت باحتفاء بالذكورة

مروة حافظ

صحافية متخصصة في تغطية شؤون وقضايا المرأة – يمكنكم التواصل معها عبر: marwahafez323@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *