هو أحد المسلسلات التي ابتعدت عن الصخب، وفي هدوء تناول العديد من المشاكل التي تحاصر المرأة في الوقت الحاضر، وعرض نقطة التلاقي بين نساء من مختلف الطبقات الاجتماعية، متمثلة في الاستغلال والابتزاز.

يبدو المحرك الرئيس للأحداث هو الفتور العاطفي بين شخصية “أكرم” ويجسدها “أياد نصار”، وبين زوجته نايلة وتؤدي دورها “أروى جودة”، ومن هذا الخيط تنفرط علاقات أخرى، تكشف لنا أبعادًا أخرى في مجتمعنا، وأشكالًا متعددة من العنف تواجهها النساء.

النساء خلف الكاميرا

المسلسل من تأليف وإخراج تامر محسن، أما السيناريو لورشة كتابة تحت إشراف السيناريست محمد فريد، والغلبة للكاتبات الشابات في هذه الورشة، فهن ثلاث من أصل أربعة كتاب وهن؛ مها الوزير وسمر عبد الناصر وسمر طاهر، ويأتي اسم “أماني نجيب” مخرجةً منفذةً، وتصميم الأزياء لـ”غادة وفيق” وتصميم الديكور لــ”هند حيدر”.

النساء تحت مقصلة “الابتزاز الإلكتروني”

مع مسلسل “هذا المساء”، نحن في جولة داخل مدينة القاهرة، بين قصورها الخلابة من ناحية وشوارعها الضيقة المكتظة بالمواطنين من ناحية أخرى، نتنقل بين المنتجعات المغلقة على ساكنيها والأحياء الشعبية التي تختزن معاناة القطاع الأعرض من المصريين، ونستكشف خلال هذه الجولة دواخل النساء من هنا وهناك، ونتعرف على التقاطعات بينهن.

الشخصية الأولى هي “نايلة” التي تنتمي إلى الطبقة الأرستقراطية، وتعيش حالة فتور في علاقتها مع زوجها، ليس بسبب عنف منه ضدها، وإنما لملل طرأ على علاقتهما، حتى أصبحت باردة إلى الجمود.

أما “عبلة” ابنة الطبقة الشعبية انفصلت عن زوجها، بسبب عنفه اللفظي والجسدي، بعد أن اعتاد لسنوات ضربها وإهانتها، وتعودت هي في المقابل على القبول بالأمر الواقع، تعدد له الأعذار، وتبرر له مرة بأنها لم تنجب له ولدًا وهو من أبناء الصعيد و”خلفة الولد” أمر مهم وضروري، وهذا يؤرقه، ومرة أخرى تتقبل عنفه بحجة أنه لم يتزوج بأخرى، رغم أحقيته في ذلك من وجهة نظرها، واستمرت على حالها حتى أدى اعتداؤه عليها إلى مشكلة في السمع، فقررت الانتفاض ضد هذا العنف، ورفعت دعوى خلع أمام المحكمة.

شخصية “تقى”

“نايلة” طالها ما طال “تقى” خريجة المعهد العالي للخدمة الاجتماعية، فكلاهما ضحية للتجسس على حياتهما الخاصة من خلال الهاتف الخلوي، على الرغم من اختلاف الطبقات الاجتماعية والثقافية، فالأولى يتجسس عليها السائق الخاص بها “سمير” الذي يجسد دوره “أحمد داوود” من خلال برنامج أضافه إلى هاتفها الذكي يسمح له بتسجيل مكالماتها وتصويرها، فيما تتحول الأخيرة إلى ضحية مهددة بمقطع فيديو صوره لها حبيبها “أيمن” خلال ممارستهما العلاقة الجنسية، بعد أن فاجئها شخص يتجسس على هاتفها بأنه يمتلك هذا الفيديو، وبات يبتزها به، إما أن تأتيه منزله وتفعل معه ما فعلته مع “أيمن” أو ينشر المقطع عبر الإنترنت.

العنف من كل الإتجاهات

شخصية “تقى” هي نموذج يتجسد فيه معاناة الكثيرات مع العنف الذي يبطش بهن من كل صوب وحدب، سواء خذلان من الشخص الذي اعتبرته حبيبًا، أو ابتزاز متلصص، أو تحرش جنسي يومي، ويبرز الشكل الأخير من العنف من خلال أحد المشاهد، وهي تجلس في إحدى وسائل المواصلات، وبجانبها شاب ثلاثيني يتحرك بشكل مريب، قاصدًا التحرش بها جسديًا، وكلما حاولت الهروب منه، فشلت، حتى اضطرت للصراخ مطالبة السائق بالتوقف، حتى تهرب نهائيًا من المتحرش.

العنف لم يبرحها حتى داخل المنزل، تلح الأم فيما هو أقرب للأمر واجب النفاذ على زواجها من أحد المتقدمين لخطبتها، خوفًا من أن تتحول إلى “بايرة” على حد قولها، والأسوأ هو تخييرها بين الزواج أو العمل، وإرهابها بما سيقال عنها إذا تأخر زواجها على عكس ابنة خالتها التي إن تأخر زواجها سيُرجع إلى كونها طبيبة، باعتبار ذلك امتياز هي لا تملكه.

قد يبدو للبعض أن المسلسل قدم العديد من ردود الأفعال السلبية من جانب النساء تجاه العنف ضدهن، لكن يمكن قراءة ذلك بأنه تعامل واقعي، ينقل أفعال كل منهن بمنطقية في ظل الظروف الاجتماعية المحيطة بكل واحدة منهن.

أباطرة الإيقاع بالنساء في فخ “الابتزاز”

الأبرز في هذا السياق هو “سوني” الذي يجسد دوره “محمد فراج” صاحب محل لإصلاح الهواتف النقالة، وهو الرجل الذي يراه الجمهور يذهب إلى مكان خفي في محله، يطلق عليه السينما، وهو بمثابة منطقة اللذة والهروب من الكبت، حيث يتجسس على الهواتف النقالة لذبوناته، ومن ثم يبتزهن بما اطلع عليه وأضحى يملكه، وينجح بالفعل في استدارجهن وإجبارهن على المجيء إلى منزله وتنفيذ رغبته خوفًا من نشر ما يملكه على الإنترنت أو إرساله إلى ذويهن.

أما “سمير” الذي يشاركه في هذا المحل، يتجسس هو الاَخر على “نايلة” بدافع الحب، وسبق وتجسس على زوجة أحد أصدقائه، وعلم بخيانتها فأبلغه، لينتهي الأمر بقتل صديقه لها، مما دفع “سمير” لاحتضان ابنتهما وتربيتها بعد سجن أبيها، بعد أن تملكه شعورًا بالمسؤولية تجاه ما جرى بسبب وشايته.

مهما بلغ تحرره.. تبقى الخيانة حق له وخطيئة كبرى لها

تعرض المسلسل للأنانية التي يتسم بها العديد من الرجال والفكر الذكوري الذي يسيطر على عقولهم، من خلال شخصية “حازم” المذيغ التلفزيوني، الذي يخون زوجته من الماكيرة “سارة” التي تعمل معه في نفس القناة الفضائية، ولا يجد غضاضة فيما يفعل، ويرى خيانته أمرًا عاديًا، لكن عندما تكون الخيانة من الزوجة “تتقطع تقطيع وتتاوى وميكونش ليها ديه” حسب قوله.