“قارتنا تتعرض لهجوم مستمر. الزواج مُستهدَف، ومؤسسة الأسرة وثقافتنا وقيمنا تُوصَّف بالبدائية. فلننهض وندعم الميثاق الإفريقي للسيادة وقيم الأسرة. الخيار واضح. الميثاق يحترم الأمومة، ويحمي الطفلات/الأطفال من الاستغلال الجنسي والأضرار الطبية، ويحترم سيادة قارة إفريقيا.”

جاءت هذه الكلمات على لسان مسؤول حكومي في دولة ملاوي، في خلال كلمته أمام ممثلات وممثلي اثنتين وعشرين دولة إفريقية اجتمعوا في العاصمة الغانية أكرا من الثالث إلى السادس من يونيو الجاري، لمناقشة مسودة الميثاق الإفريقي للسيادة وقيم الأسرة التي يتبناها البرلمان الغاني، ويسعى إلى إحاطتها بدعم واسع من دول القارة لتكون مرجعًا وطنيًا لهذه الدول في التشريعات والسياسات الداخلية والخارجية، أملًا في أن يعتمد الاتحاد الإفريقي الميثاق ويصبح ضمن المواثيق الحقوقية التي يعتمدها كالميثاق الإفريقي لحقوق الإنسانـ/ة والشعوب، والميثاق الإفريقي لحقوق ورفاهية الأطفال.

في كلمته خلال النسخة الرابعة من المؤتمر الإقليمي الإفريقي البرلماني المشترك بشأن قيم الأسرة والسيادة أكد رئيس البرلمان الغاني ألبان سومانا كينغسفورد باغبن، أن مسؤوليةً كبيرة تقع على عاتق الدول الإفريقية من أجل الحفاظ على هويتها الثقافية والدفاع عن قيمها واستقلالها التشريعي، مشيرًا إلى أن حماية الأسرة تتطلب أكثر من مجرد خطابات وتصريحات، لأن الحماية الحقيقية يجب أن تكون مدعومةً بسياسات وموارد. كما دعا باغبن الدول الإفريقية إلى إعادة تعريف مفهوم الأسرة انطلاقًا من واقعها الثقافي الخاص بدلًا من تبني تفسيرات أجنبية غريبة عليها على حد قوله.

كانت مسودة الميثاق الإفريقي للسيادة وقيم الأسرة محور النقاش بين وفود من ۲۲ دولة إفريقية، تضم برلمانيات وبرلمانيين وشخصيات سياسية ودينية وعاملات وعاملين بالمجتمع المدني، وهي الوثيقة التي جرى إعدادها خلال سلسلة من المؤتمرات البرلمانية الدولية حول الأسرة والسيادة والقيم انعقدت في أوغندا بين عامي ۲۰۲۳ و۲۰۲۵ بمشاركة سياسيات وسياسيين وناشطات ونشطاء محافظين ومنظمات مناهضة للحقوق الجنسية والإنجابية وحقوق مجتمع الميم-عين، بما في ذلك منظمات يمينية متطرفة في الولايات المتحدة وأوروبا، مثل منظمة فاميلي ووتش إنترناشونال (Family Watch International) التي تتخذ من ولاية أريزونا مقرًا لها، والمجلس المسيحي الدولي (CCI) الذي يوجد مقره الرئيس في هولندا.

وثيقة غايتها تقييد جنسانية النساء الإفريقيات

تشدد مسودة الميثاق على التعريف التقليدي للأسرة والجنس البيولوجي وتدافع عن التقسيم النمطي للأدوار الاجتماعية بين الجنسين، كما ترفض استخدام مصطلح النوع الاجتماعي أو الجندر والمفاهيم المرتبطة به بذريعة أن أيديولوجيا الجندر هدفها هو تفكيك الأسرة، ولذا يعارض أحد بنودها بوضوح الاتفاقيات الدولية التي تحد من سلطة الوالدين على تعليم البنات والأبناء، خاصةً فيما يتعلق بالصحة الجنسية والإنجابية.

بحسب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسانــ/ة، فإن مفهوم الحقوق والصحة الجنسية والإنجابية يشمل صحة الأم، والحق في تنظيم الأسرة بما في ذلك وسائل منع الحمل والتثقيف الجنسي الشامل والوقاية من الأمراض المنقولة جنسيًا وسرطان الجهاز التناسلي (يشير إلى سرطانات الرحم، وعنق الرحم، والمبيضين، والمهبل، والفرج)، بالإضافة إلى الحماية من فيروس نقص المناعة البشرية، والرعاية الشاملة المتصلة بالإجهاض.

تهاجم المسودة الحق في الإجهاض مطالبةً الدول بإعادة تعريف جميع المصطلحات ذات الصلة لمنع إباحة الإجهاض بشكل قاطع، ولا يرد بالمسودة أي إشارة لاستثناءات حتى إذا ما شكّل الحمل خطرًا على حياة الأم وفي حالات الاغتصاب. وترفض المسودة مفاهيم الهوية الجندرية وحقوق مجتمع الميم-عين، وتعارض على نحو خاص حقوق العابرات والعابرين جنسيًا. كما تعتبر التثقيف الجنسي الشامل في المدارس تهديدًا للمجتمع الإفريقي، إذ يوضح أحد بنودها أن أي شكل من أشكال التثقيف الجنسي لا بد أن يكون تحت إشراف الوالدين وغير خاضع في محتواه إلى تأثير خارجي.

عطفًا على ذلك، تدعو مسودة الميثاق حكومات الدول الإفريقية إلى الانسحاب من الاتفاقيات الداعمة للحقوق الجنسية والإنجابية، والامتناع عن توقيع الصكوك الدولية المتعلقة بالنوع الاجتماعي أو الجندر والهوية الجندرية، وإعادة تعريف حقوق الإنسـانـ/ة لتتوافق مع القيم والتقاليد الإفريقية.

وتأتي اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد النساء(CEDAW)  على رأس الصكوك التي طالب المتحدثات والمتحدثون خلال المؤتمر، حكومات الدول الإفريقية بسحب التوقيع والمصادقة عليها، إذ إن الاتفاقية التي تُعد واحدة من أكثر الصكوك المتعلقة بحقوق النساء تصديقًا على مستوى العالم، تُلزِم الدول الأطراف باحترام الحق في الاستقلال الجسدي للنساء وحماية الحرية الجنسية والإنجابية لهن، وضمان حقهن في اتخاذ القرارات الخاصة بتوقيت الإنجاب وعدد الأبناء والبنات والفترة الفاصلة بين ولاداتهم، وحقهن في الحصول على المعلومات، والوصول إلى الوسائل التي تُمكّنهن من ممارسة هذه الحقوق.

عبرت وفود عشرين دولة إفريقية ممثلة بالمؤتمر عن دعمها لمسودة الميثاق الإفريقي للسيادة وقيم الأسرة، بينما امتنع ممثلات وممثلو دولتين فقط وهما جنوب إفريقيا وموزمبيق عن دعمها، وأكد الوفد الجنوب إفريقي، برئاسة النائبة البرلمانية زانديل ماجوزي، أن بعض بنود المسودة تتعارض مع الفصل الثاني من دستور البلاد الذي يتضمن وثيقة الحقوق، وتنص إحدى مواده على عدم جواز التمييز بشكل مباشر أو غير مباشر من الدولة ومؤسساتها ضد المواطنات والمواطنين على أساس الجنس والنوع الاجتماعي أو الحالة الاجتماعية أو الميول الجنسية. بالنسبة لموزمبيق، فقد ذكر وفدها في رسالة إلى رئيس البرلمان الغاني أن أهمية وحساسية القضايا التي يتناولها الميثاق تتطلب إجراء مشاورات مسبقة وتوعية عامة ومراجعة مشتركة تشمل البرلمان والحكومة والسلطات الوطنية الأخرى ذات الصلة قبل اتخاذ قرار نهائي بشأنها.

أما الدول العشرون التي أيدت وفودها مسودة الميثاق فجاء بينها أوغندا وتنزانيا وكينيا وإثيوبيا من شرق إفريقيا، وغانا وزيمبابوي ونيجيريا وسيراليون وبوركينا فاسو من الغرب، بالإضافة إلى المغرب من شمال القارة.

ثمرة تلاقي الأيديولوجيات المسيحية المحافظة والإسلامية المتشددة

تظهر العديد من المفارقات في هذه الوثيقة، أبرزها تأكيدها على السيادة والاستقلال ومقاومة النيوكولونيالية أو الاستعمار الجديد الذي يستهدف القارة الإفريقية للنيل من قيمها وتقاليدها. إذ تعتبر مسودة الميثاق مفاهيم مثل أيديولوجيا الجندر والصحة الجنسية والإنجابية تجلياتٍ للإمبريالية الثقافية، وهو ما يتناقض مع حقيقة أن الجهات التي ساهمت في صياغة المسودة وخروجها إلى النور تنتمي إلى تيار اليمين المتطرف الذي ترتكز أيديولوجيته إلى الاستعلاء العرقي والإيمان بأفضلية العرق الأبيض والهوية الأوروبية المسيحية.

وفي هذا السياق، يكشف الصحافي النيجيري كالب أوكيريكي أن منظمة فاميلي ووتش إنترناشونال الأمريكية ذات التوجهات اليمينية المتطرفة، شاركت في تنظيم المؤتمر الذي استضافته مدينة أكرا الغانية، وتمحورت نقاشاته حول مسودة الميثاق الإفريقي للسيادة وقيم الأسرة. ويمثل هذا التحرك امتدادًا لنشاط المنظمة المناهض لحقوق النساء والأقليات الجندرية في داخل الولايات المتحدة، والذي يحظى بدعم مباشر من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ظل تعاون المنظمة مع مسؤولين في الإدارة ضمن الحملات المناهضة للإجهاض وحقوق العابرات والعابرين جنسيًا.

يرى أوكيريكي أن المسيحية الإنجيلية الأمريكية أثرت بعمق خلال العقدين الأخيرين على الواقع التشريعي الإفريقي فيما يتعلق بحقوق النساء، لا سيما الحقوق الجنسية والإنجابية إلى جانب حقوق مجتمع الميم-عين. ويؤكد هذا الطرح تحقيق نشرته منصة (Open Democracy) في عام ۲۰۲۰، أظهر أن أكثر من عشرين جماعة مسيحية أمريكية تُعرَف بمحاربتها للحق في الإجهاض الآمن ووسائل منع الحمل والتثقيف الجنسي الشامل قد أنفقت ما لا يقل عن ۵٤ مليون دولار على مشروعات في إفريقيا منذ عام ۲۰۰٧، فضلًا عن ۲٨ منظمة أمريكية أنفقت ما لا يقل عن ۲٨۰ مليون دولار حول العالم للتأثير على القوانين والسياسات وتوجيه الرأي العام العالمي ضد الحقوق الجنسية والإنجابية.

ولا تكتفي هذه المنظمات اليمينية الأمريكية بالتعاون مع الجماعات المسيحية المتشددة في إفريقيا للدفع بأجندتها المعادية لمفاهيم النوع الاجتماعي والمساواة الجندرية والمناهضة للحقوق الجنسية والإنجابية، بل تمتد شراكاتها لتشمل منظمات إسلامية متشددة في القارة، ويشير أوكيريكي إلى أن السنوات الأخيرة تشهد تنسيقًا متناميًا بين الجماعات المسيحية والإسلامية المتشددة تحت شعار “الدفاع عن قيم الأسرة” في عدد من دول إفريقيا، أبرزها غانا. ورغم التباين العقائدي والخلافات الدينية، فقد أثمر التنسيق في بعض الحالات عن تحالفات وطنية نجحت في نقل أجندتها إلى المجالس التشريعية، ونتج عن ذلك سن قوانين تنتهك حقوق النساء والأقليات الجندرية.

يؤكد الصحافي النيجيري ومؤسس منصة (Minority Africa) على ضرورة فحص كيف تجتمع المؤسسات المسيحية والإسلامية والتقليدية ضمن دائرة سياسية واحدة من خلال لغة “قيم الأسرة”، لفهم كيف يجري ذلك وباستخدام أي أدوات، لأن ذلك سيرفع اللثام عن الروابط بين ما تشهده بلدان مثل غانا وأوغندا، وهما ذات أغلبية مسيحية، وبلدان أخرى كالسنغال ومالي، وكلتاهما ذات أغلبية مسلمة.

يؤشر تأييد دول مثل غانا وإثيوبيا وكينيا لهذا الميثاق إلى احتمالية سحب توقيعها على إحدى الوثائق القارية بالغة الأهمية، وهي الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسانـ/ة والشعوب بشأن حقوق النساء في إفريقيا المعروف باسم بروتوكول مابوتو.

يحتم البروتوكول على الدول اتخاذ إجراءات وإصدار تشريعات تضمن حماية النساء الإفريقيات من التمييز والعنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك التزويج القسري وتزويج القاصرات وتشويه الأعضاء الجنسية وتعدد الزوجات والعنف المنزلي، كما يلزم الحكومات بتوفير وتعزيز سبل التثقيف الجنسي وخدمات الإجهاض الآمن وضمان حق المرأة في اقتسام الثروة والملكية المشتركة بعد الطلاق.

في نهاية المطاف، لا يعني إعلان عشرين من دول القارة دعم مسودة الميثاق اعتمادها تلقائيًا كمرجع للتشريع على المستوى الوطني أو القاري، خاصةً أن أكثر من ثلاثين دولة لم تنخرط في هذا المشهد. ولكن يظل الترقب والتأهب مطلوبين، والتحركات الاحتجاجية على هذا التوجه تبقى ضرورة ملحة، فملابسات هذا المشهد تكشف أن “قيم الأسرة” و”مناهضة أيديولوجيا الجندر” باتت عناوين رئيسة للتنسيق العابر للقارات والمتجاوز للاختلافات والخلافات العقائدية والتاريخية بين مختلف التيارات المتشددة شمالًا وجنوبًا أو شرقًا وغربًا.

* الصورة الرئيســــة حاصلة على رخصــة الاستخدام من موقع Pexels