أسهم بقوة التطور الذي عرفه رسم الخرائط بدايةً من القرن الخامس عشر في تمهيد الطريق لعلم الخرائط الحديث (الكرتوغرافيا)، إلا أن فن رسم الخرائط في حد ذاته قديم قدم الحضارات الإنسانية؛ حيث نقش البابليونـ/ات الخرائط على الصخور، ورسمها المصريونـ/ات القدماء على ورق البردي، بينما وضع الإغريق الأسس العلمية الأولى لها، كما نقش الصينيونـ/ات الخرائط على الألواح الخشبية، واستخدم العرب جلود الحيوانات لرسمها. وقد سوِّقت الخرائط عبر التاريخ بوصفها أدواتٍ علميةً مجردة وموضوعية لتسجيل الحدود والتضاريس، إلا أنَّ مثل هذه المزاعم أخفت بين طياتها طبقاتٍ عديدة ومعقدة، لأن الخرائط كانت لفترة زمنية طويلة وسيلةً لصناعة واقعٍ بديل للواقع الفعلي خدم مصالح وتطلعات قوى بعينها.

تركز النشر الخرائطي وازدهر بقوة في القارة الأوروبية بين القرنين الخامس عشر والتاسع عشر، وهو ما ترجعه الباحثتان أليس هدسون وماري ريتزلين إلى احتياج الإمبراطوريات ثم الأنظمة الاستعمارية إلى خرائط لتحديد طرق الغزو وتعيين الحدود وممرات النقل من أجل استغلال الموارد وإدارة السكان وفرض الضرائب، مما أعطاها قوة وأهمية استثنائية. وعند النظر إلى تاريخ رسم الخرائط من منظور نقدي يراعي أبعاد النوع الاجتماعي وتقاطعاته، نجد أن خرائط ما يسمّى بالعصر الذهبي للكرتوغرافيا (Cartography) لم تكن أدوات جغرافية محايدة لخدمة الملاحة البحرية فحسب، بل كانت وسيلة لتعزيز المركزية الأوروبية والترسيخ إلى التنميطات الجندرية والتراتبية العرقية، حيث برزت في عصر النهضة الخرائط التي ترتكز إلى استعارات بصرية تكرس تأنيث الأرض، فحضر جسد المرأة في صلب المعادلة التي أنتجت خرائط رمزية تجسد القارات المعروفة وقتذاك في هيئة نساء، إذ كان السائد حينها رسم أراضي القارات ككتل متكاملة بدلًا من التركيز على البلدان، نظرًا لعدم استقرار الحدود بمفهومها الحديث والدقيق في ذلك الوقت.

شأن علوم كثيرة، خضع رسم الخرائط إلى الاحتكار الذكوري والتهميش الهيكلي للنساء حتى مطلع القرن العشرين، خاصةً مع تطلبه دراسة الفلك والرياضيات، وهي مجالات جرى اعتبارها ذكورية بامتياز لزمن طويل، استنادًا إلى الادعاء بأن الرجال يتسمون بالعقلانية والتجرد، في حين تغلب العاطفة على النساء، مما يجعلهن حسب تلك المزاعم أكثر عرضةً للانهيارات العصبية إذا ما أمضين ساعات عديدة وبذلن مجهودًا ذهنيًا كبيرًا في حل مسائل رياضية معقدة.
وقد رافقت هيمنة الرسامين الذكور على رسم الخرائط منذ أواخر العصور الوسطى وحتى بداية عصر التنوير نزوعًا إلى تصوير الأراضي والأقاليم في هيئة نساء، وترى الباحثة الألمانية كاثرين إيفا أوهيميشن أن لهذا التوجه وظيفة رمزية وإيروتيكية، مؤكدةً أن استخدام الجسم الأنثوي كرمزية للقارات كان هدفه تغذية الخيال الاستعماري، إذ مثّل الجسم الأنثوي استعارةً للأرض الخاضعة للحاكم، وللأرض البكر التي تحتفظ بخصوبتها في انتظار مستكشفها، وللأرض التي تحتاج إلى الحماية.

وتوضح الباحثة الألمانية أن رسامي الخرائط كانوا غالبًا من الرجال، وكان إنتاجهم موجهًا في معظمه إلى جمهور من الرجال ذوي البشرة البيضاء، لذا عكست الخرائط التحديقة الذكورية، فقد وضعت هذه الرموز المجازية الحكام والمستكشفين في وضعية تتعدى المشاهدة إلى الاستحقاق والامتلاك، لإضفاء شرعية على الغزو والتوسع الاستعماري.

 

عكست الرمزيات أيضًا تراتبية عرقية تعضد السلطة الأوروبية المركزية، فقد صوّر كثير من رسامي الخرائط وقتذاك قارة أوروبا كامرأة ترتدي فستانًا ملكيًا ويعتلي التاج الإمبراطوري رأسها، بينما عمدوا إلى تصوير قارتي آسيا وإفريقيا والأميركتين بعد اكتشافهما على هيئة نساء يفتقرن إلى الحداثة، عاريات جزئيًا أو كليًا، تابعات للملكة أوروبا التي تتسيد العالم.

ابتكر رسام الخرائط الفلمنكي أبراهام أورتيليوس أول أطلس جغرافي في التاريخ الحديث في عام ۱۵٧۰، تحت عنوان مسرح العالم (Theatrum Orbis Terrarum)، وجسد في خريطة العالم القارات الأربع المعروفة وقتها على هيئة نساء، فصوّر أوروبا ملكةً تحمل بيدٍ صولجانًا ملكيًا وباليد الأخرى تمسك بالصليب، وتجلس في موضع أعلى من بقية القارات لتعكس القوة والسلطة والتفوق. في المقابل، ظهرت آسيا كامرأة ترتدي فستانًا وتحمل مبخرةً من الذهب في تجسيد لصورة القارة في المخيلة الأوروبية كأرض السحر والثروات. أما إفريقيا فقد صوّرها أورتيليوس امرأةً سمراء نصف عارية، تلف خصرها بوشاح أصفر اللون وتضع على رأسها شعلة، تعبيرًا عن النظرة الأوروبية للقارة كأرض بدائية صحراوية تلفحها الشمس الحارقة، بينما تمثلت أمريكا في صورة امرأة بجسد عارٍ ترتدي فقط قبعة ذهبية، وتحيط نفسها بسهام وقوص، وإلى جانبها رأسان مقطوعان لرجل وامرأة أوروبيين كما لو كانت قد قتلتهما للتو، في ترجمة بصرية لادعاءات المستعمرين بشأن همجية ووحشية السكان الأصليين للأميركتين، لتبرير قتلهم والاستيلاء على أراضيهم الغنية بالذهب، زاعمين أحقيتهم بها بصفتهم حملة العلم والحضارة والدين الصحيح.

بدأ تقليد رسم قارة أوروبا على هيئة ملكة ترتدي التاج الإمبراطوري قبل ذلك بعقود، وتحديدًا عندما قدّم رسام الخرائط الألماني يوهان بوتشيوس في عام ١٥٣٧ خريطة الملكة أوروبا (Europa Regina) التي مثّلت فيها كل منطقة من القارة جزءًا من جسد وملابس الملكة، وسرعان ما تحولت هذه الخريطة إلى أداة دعاية سياسية وإمبريالية للإمبراطورية الرومانية المقدسة ومملكة إسبانيا، خاصةً مع تصوير القارة التي يحكمها الإمبراطور شارل الخامس كامرأة خاضعة له، لكنها تحت حكمه متوجة تحتكر السيادة والحقيقة اللتين يرمز إليهما الصولجان وكرة الصليب الذهبية، في مقابل القارات الأخرى التي تظهر أجزاء منها في أركان الخريطة كأراضٍ جدباء بلا ملامح.

تواصل انتشار الخرائط الرمزية للقارات والأقاليم حتى القرن التاسع عشر، الذي شهد تراجع دور الخرائط كأدوات دعائية وثقافية لصالح دورها كأدوات علمية دقيقة المعالم والحدود في ظل تنامي الصراع بين القوى الأوروبية على الأراضي المستعمرة في إفريقيا وآسيا والأميركتين وأوقيانوسيا، وهي متطلبات لم تعد الخرائط الرمزية قادرة على تلبيتها.

لم تنتهِ القصة مع تراجع الخرائط الرمزية التي تُصوِّر القارات كنساء والانكفاء عن الاعتماد على الفنانين في رسم الخرائط في مقابل الخرائط الطبوغرافية والموضوعية التي تنتجها الهيئات والمراكز المساحية الجيولوجية والمؤسسات العسكرية، فقد برز تجسيد الأمم والدول كشخصيات نسائية من خلال وسائل الدعاية السياسية المختلفة كالتماثيل والنقود والطوابع استجابةً إلى تزايد النزعة القومية، وقد عمدت السلطات السياسية بمعاونة الفنانين إلى تصوير الدول كشخصيات نسائية مخترعة، عادةً ما تنتظر الدفاع عنها وحمايتها من الطامعين في “جسدها” على يد الشعب الذي صار غالبًا ما يتم تصويره رجلًا ذا بأس مستعدًا لبذل روحه لكيلا تتعرض للانتهاك على يد رجال آخرين.

* صور الخرائط المرفقة حاصلة على رخصــة الاستخدام من موقع Wikimedia Commons