حضور وانصراف | أسماء باسل تكتب: كيف تُحبِط المناطق اللامَركزية الصحافيات المحليات؟

أسماء باسل

ناشطة نسوية

مؤسسة مبادرة «دورك» في محافظة قنا

بدأت عملي الصحافي الميداني مبكرًا، كنت في الصف الأول الإعدادي وأجريت مقابلة مع مهندس صرف صحي، عندما بدأ مشروع الصرف يدخل حيز التنفيذ في قريتي، كان الأمر صعبًا جدًا أن تدخل إلى قلب العمل وسط مهندسين وعمال أو أن يتعامل معي مهندس الصرف على أنني شخص ناضج يمكنه أن يقتطع من وقته ليجري حوارًا مع فتاة ذات 12 عامًا، أو أن يحدث هذا كله في قرية قبل 15 عامًا!

كان أمرًا غريبًا وجريئًا حتى مر بسلام، وانتهت المغامرة باقتراحي على مدرس الصحافة بالمدرسة أن نصدر مجلة مطبوعة، ليتحمس للفكرة وتخرج المجلة وتصبح حقيقة ويفاجئني بعدها بطبع اسمي كــ«رئيس تحرير» للمجلة، كان هذا دافعًا قويًا ومبكرًا للمضي في المجال.

أكملت محاولاتي الفردية في الثانوية، ثم استأنفت العمل الميداني في عامي الأول بالجامعة، كنت شغوفة إلى الحد الذي أجريت فيه مقابلات متنوعة في أماكن مختلفة ما زلت أذكرها في الذاكرة والصور، مواطنين، مسؤولين، زائرين، أماكن. وقتها كنا طلابًا نتعلم كيف نحشر أنفسنا وسط الجمهور لنعرف ما يريدون قوله، ثم نترجم هذا بلغتنا التي نتعلمها كصحافيين. هذا هو عمل الصحافة الرئيس، وهو في حد ذاته عمل ممتع وعظيم، لكن ما لم يكن عظيمًا ولا ممتعًا في الأوقات اللاحقة هو بداية انتشارنا كفتيات صحافيات صغيرات السن داخل القرى والمدن البعيدة، التي لم تألف وجود صحافيات في الميدان، يقفن جنبًا إلى جنب مع الرجال والشكاوى والمشكلات والطرق والأسواق والجرائم، كان التحدي ذو أذرع كثيرة، أقساها كان يتمثل فيما نقابله كصحافيات في الميدان، كوننا فتيات ونعمل صحافيات ونمسك بالكاميرا، ونتحرك بطريقة سريعة تتناسب مع مهنتنا في شوارع القرى، التي لم تعتاد بعد على فتيات صحافيات في الشوارع!

يتم تطويقنا بالنظرات الغريبة، إما نظرات إعجاب وإما استنكار وإما نظرات تتفحصنا للبدء في أسئلة، تتعلق بعروض الزواج والسؤال عن الحالة الاجتماعية واسم العائلة وأسئلة لا تنتهي ولا ترضي فضول السائلين، كانت تُسَدد إلينا أسئلة ونظرات وتأويلات حول هذا المقصد في وسط عملنا كوننا فتيات. كان هذا شيئًا مثيرًا للغضب، يشتتنا عما جئنا لإنجازه، وينقل إلينا إحساسًا بعدم الراحة والتقصير في الإنجاز، لنعود إلى العمل أحيانًا خاليات الوفاض، لتبدأ دائرة التوبيخ والاتهام بالتقصير من المسؤولين عن العمل، وعند شرح الوضع تتم الإشارة إلى تأكيد نظرية أننا لا نفلح لأننا فتيات/نساء، وأنه لو ذهب شاب بدلًا منّا كان سينجزه!

كان هذا يُربِك خططنا وتصوراتنا عن الصحافة الميدانية أو الصحافة بشكل عام حتى لو لم ننتشر في الميدان، يكفي فقط أن تتم الإشارة إلينا كصحافيات، لتبدأ النصائح المجانية عن قسوة المهنة، وأن هذا لا يناسبنا كفتيات يكفينا الحفاظ على منظرنا الأنثوي، والجلوس في المنزل أو العمل في المكاتب، أو أن هذا التزاحم يناسب الذكور أكثر منّا!

كانت تحديات لا تنتهي، إحباطات لا نعرف مصادرها، دوامات من النصائح المُفعّمة بأفكار الذكورية والسلطة الأبوية، وفرض السيطرة على اختيارات العمل للفتيات! فقط لأننا فتيات، لا يروننا صحافيات يروننا فتيات، يحاربون انتشارنا خارج النطاق، برغم أننا ننقل مشاكلهم!

ففي مفكرة العادات والتقاليد لا يتساوى الرجل والمرأة، برغم أن كليهما يحمل قلمًا وورقة، وعقلًا وفكرًا. هذه أشياء لا يحكمها نوع الجنس بل ما يمتلكه أيًا منهما من معارف وذكاء واطِّلاع وتصرف!

يتسغرب الناس وجود فتيات في الشارع لإنجاز مهماتهن، أو حتى في التجمعات الكبيرة، كالمنادر والدواوين ومقرات العائلات؛ هذه مناطق لا تدخلها نساء بشكل ملحوظ، لهذا فإن وجود صحافيات يغطين هذه الأحداث، يعتبر هذا شيئًا عُجاب، أي أن المشكلة تكمن أساسًا في عدم تمكن النساء بشكل عام من وجودهن في هذه الأطر، وعدم مشاركتهن في مراكز صنع القرار لأن فرص خروجهن أقل، لأن فرص تعليمهن أقل، لأن كل سبب يؤدي إلى سبب آخر ينتهي إلى التضييق على وجود النساء في أي مكان عام، لهذا يدفع الصحافيات الثمن بوقوفهن في وجه هذا كُله.

وبالرغم من هذا، فقد مر كل ذلك مع الوقت، مر بكل ما يحمله من قسوة إلى أن صارت الصحافيات في مصر الآن يحصدن جوائز عالمية وإقليمية ومحلية قيّمة، تقديرًا لأعمالهن العظيمة في المجال ومحاولتهن للحصول على فرص للولوج إلى قلب الشارع والناس والقضية، إلى حيث يجدن راحة أقلامهن في مقابل تعاسة أعصابهن، يتحملن هذا على وعي لأنهن ذات قيمة. هن يعرفن قيمتهن بقدر ما عانين من ضغوط.

كنت أراقب عن بُعد قصة صعود صديقة لي، كنا ندرس سويًا، وكنت أحبها برغم علاقتنا البعيدة، كنت أعرف أنها تعاني كل ما ذكرته؛ عملت في مناطق عديدة، كانت تدفع من مصروف طعامها على وسائل المواصلات حتى ترى اسمها على الصحف المحلية، وبّخها أحد مديريها أمامي ذات مرة ساخرًا من هيئتها لأنها لم تكن جميلة بالقدر الذي يبني حائلًا بينها وبين نظرة الاَخرين، التي تختلف من زواج إلى سخرية حسب درجة جمال إحداهن. لم تكن تعبأ بما يجري حولها من سخرية أو تقليل أو تضييق، تحملت وأنجزت حتى وضعت نفسها على طريق ينظر إليها من بعيد كل من وبّخها يومًا ما، أو اعتقد أنها فتاة وليست لديها مقومات ولم تكن شخصية ناجحة ذات يوم، لكنها فعلتها بمرارة شديدة ونجاح ساحق واهتمام مُتقن.

ما يواجه الفتيات الصحافيات في الميدان يصعب على مقام واحد إلمامه وتسطيره، نواجه معارك مع العادات والتقاليد، مع المنزل، مع المسؤولين، مع أماكن العمل، مع زملاء رجال لا يؤمنون بتكافؤ الفرص، مع مجتمع يدعم صحة ما سبق، معاركنا ذات فتيل متجدد، تمامًا مثل إصرارنا على النجاح والخوض في قلب معارك مُمنهجة ضد تمكين الفتيات/ النساء من العمل، لتتحول المعارك إلى عنف مضاد يدعم فكرة أن المجتمع ما زال بعيدًا عن فهم معنى الشراكة والتكافؤ.

 

هذا المقال منشور في إطار حملة #حضور_وانصراف 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *