النهضة النسائية في سوريا ولبنان: مقال نادر لــ«ماري عجمي» رائدة صحافة المرأة في الشام

شهد العالم العربي وتحديدًا مصر والشام نهضة وحركة تنوير ثقافية، خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، بعد فترة طويلة من الجمود والتيبس، وقد تسارعت وتيرة إصدار الصحف والمجلات بصورة كبيرة بفضل مبادرات فردية بالدرجة الأولى.

كان لهذه المبادرات تأثيرها في ظهور ما عُرِفَ بالصحافة النسائية، التي كانت باكورتها مجلة “الفتاة” التي صدرت في مصر وتحديدًا في مدينة الإسكندرية على يد اللبنانية هند نوفل في العام 1892م. ومن بعدها استمرت المطبوعات النسائية في الصدور على أرض مصر حتى ظهرت أول مجلة نسائية في الشام وهي مجلة “العروس” التي أصدرتها السورية ماري عجمي في العام 1910 واستمرت في الصدور حتى العام 1925، وتخلل ذلك فترة توقف لأربع سنوات (1914-1918).

فضلًا عن إسهاماتها الصحافية والأدبية في “العروس”، كان لماري عجمي (1888 -1965) كتابات في مجلات أخرى مثل؛ المقتبس السورية ولسان الحال اللبنانية والطليعة السورية والعرفان اللبنانية، كما كان لها مشاركة بقصيدة بعنوان “أحن إلى الرياض” في مجلة أبوللو التي أصدرتها جماعة أبوللو الشعرية ومؤسسها الشاعر الدكتور أحمد زكي أبو شادي في العام 1932.

وأثناء البحث والتنقيب في مقالاتها القديمة، برزت أربع مقالات كتبتها في مجلة الثقافة السورية، وهي واحدة من الإصدارات الثقافية المتميزة خلال فترة الانتداب الفرنسي على سوريا، وتركت بصمة في الساحة الثقافية السورية على الرغم من أن فترة صدورها لا تتجاوز الخمسة عشر شهرًا، فيما بين إبريل من العام 1933 وحتى يونيو 1934 واقتصرت على 10 أعداد فقط.

وقد اخترنا لإعادة النشر مقالًا من هذه المقالات النادرة، كتبته ماري عجمي للعدد الأول من مجلة الثقافة السورية والصادر بتاريخ 5 إبريل في العام 1933، وقد اختارت له عنوان “النهضة النسائية في سورية ولبنان”.

نص المقال:

منذ عشر سنوات ونيف أنشِئت في سوريا ولبنان جمعيات  أدبية وضعت  لنفسها أهدافًا واحدة متقاربة، تنبئ بأنها أعدت لنشر روح جديدة  في شتى مرافق الحياة الاجتماعية. عشر سنوات تنقضي بين تصفيق للخطيبات وتهاليل  للمؤتمرات ووصف للماَدب التي تقوم لهن على صحائف الجرائد والمجلات تهيب بنا إلى التساؤل وهو من حق كل مفكر: أيه فائدة  نتجت من كل هذه المساعي والمجتمعات؟ وإلى أي درجة قدرت هذه الجمعيات أن ترفع مستوى المرأة الأدبي؟  وكم هو مقدار ما أحدثت من الإصلاح الاجتماعي وكم من مئات القرارات التي انتهت إليها هذه المؤتمرات وضع موضع العمل والتنفيذ؟ وما هي العوامل التي سببت وقوف الجماعات النسائية عند حد ترديد الأقوال التي لا يتجاوزنها إلى العمل بما يرتفع من صرخاتهن في الدعوة إلى الاشتراك مع الرجال في حل المشاكل الاجتماعية والوطنية، وتعميم الثقافة بواسطة المحاضرات في الكتب وإلى قلب العادات والتقاليد، وإلى تأييد الصناعة الوطنية، وإلى المطالبة بجعل التعليم الابتدائي للبنات إجباريًا واستبدال ما وضع من الشرائع والقوانين التي أشارت الدلائل إلى وجوب تغييرها أو تعديلها مما للمرأة به علاقة كلية أو جزئية؟

إن أغراضًا كهذه تجعلها الجمعيات أهدافًا لمساعيها، وتشير إلى أن المرأة السورية واللبنانية أصبحت تتطلب لحياتها المثل العليا  – تكفي للتدليل على أن سوريا ولبنان نهضة سورية عامة.

***

وقد أكون من الكاذبين إن لم أؤمن بأن المرأة قد نهضت عن موضعها وأنا أراها تؤلف الحلقات وتنشئ المؤتمرات وتقوم برحلات من بيروت إلى سوريا ومن سوريا إلى لبنان ومن لبنان إلى طهران.

ولا أكون أكثر زورًا مني ساعة أشهد أن المرأة لم تحقق غرضًا من أغراض النهضة النسائية.

هذه الدعوة العريضة ما عدا جمع بعض الكتب في مكتبات الجمعيات التي لا تُقرَأ منها على الأغلب إلا الروايات، وما عدا إقامة بعض حفلات ترى الخطيبة لا تلقي فيها إلا الخطب الباردة في أبحاث فرغ الناس منها، هي صدى ما علق بذهنها من مطالعة الصحف الحين بعد الحين.

أما العوامل التي سببت وقوف عمل جمعيات النساء عن هذا الحد على ما يقول بعض المفكرين، فالأخلاق السلبية التي يتصف بها كل من الرجل والمرأة في سوريا وإن أثر هذه الأخلاق في المرأة ما يزال أقوى منه في الرجل، فهي قد توافقك على الفكرة الفلسفية والعلمية وتشعر بضرورة عملها بها سعيًا وراء المثل الأعلى، ثم تقف مترددة ثم محجمة عما تطمح إليه بعامل الجبن أو الوجل أو الكسل أو الجهل.

وقد يكون جهل جماعات النساء بالطريق إلى تحقيق أغراض جمعياتهن أكبر العوامل التي وقفت بهن بعد صرف عشر سنوات في المناقشات التي لا طائل تحتها عند هذا الحد، لأنك إذا بحثت بينهن عن حاملات شهادات الطب والاَداب والصيدلة والحقوق والفنون القادرات على التعمق والإفاضة، لا ترى أثرًا لهن في هذه الجمعيات إلا حين يدعين إلى إلقاء كلمة، لأن هذه الفئة لم تجد حتى اليوم على هذه الجمعيات بشرف انتمائها إليهن ولا هن يأبهن لتأليف جمعيات خاصة بهن، يتذوقن فيها لذة التفاهم ويعملن في صبر وتأن على إبراز أعمالهن بدقة وإتقان لينتجن شيئًا أو يحققن غاية أدبية أو موسيقية أو فنية أو رياضية أو اجتماعية أو علمية، على نقيض ما نرى من النهضات النسائية في العجم وفي الهند وفي تركيا، تلك الأقطار الشرقية التي تسير المرأة المثقفة بجماعتها وفق فكرة فلسفية أو وفق غاية معينة تطمح بها إلى مثل أعلى تضعه نصب عينيها وتبذل قصارها في البلوغ إليه، رغم ما تلاقيه من عنت وإجهاد ومشاق إلى أن يقيض لها الله أسباب التوفيق.

فإذا لم تتألف الجمعيات النسائية من فرق المثقفات أو لم يكن كل الأعضاء في جمعية واحدة مثقفات، فإن جمعياتنا الحاضرة ولئن ناصرتها العاملات بإخلاصهن، ودرجة أكثرهن العلمية لا تسمو على التعليم الابتدائي باقية عند هذا الحد إلى عشر سنوات أخرى، تظل فيها نهضتنا النسائية الموهومة سخرية لأديبات الغرب الأتي يأتين للسياحة في هذه البلاد، وإن لي مما نشرته أديبة فرنسية سائحة طلبت أن تجتمع إلى الزعيمات فكان لها ما أرادت دليلًا على ذلك.

فقد رغبت هذه السائحة أن تطلع على درجة مستوى زعيماتنا العلمي، فقامت تلقي عليهن الأسئلة فإذا هن يجهلن تاريخ دينهن وبلادهن حتى أسماء الجبال التي تحيط ببلدتهن ويشرفن عليها من نوافذ منازلهن!..

فزعامة هذا النوع نملأ بها الدنيا من الجعجعة قبل أن نقوى على تحريك الرحى. تنشر في الصحف أنها تفعل كثيرًا وهي لا تفعل شيئاً وأنها تمثل نشاط نساء البلاد ودرجة ثقافتهن وهي في الواقع تمثل كسلهن أو ضعفهن أو جهلهن المطبق وأن جمعيات من هذا الصنف تقف المثقفات عنها في نجوة الحرية بالسخر اللاذع. وكثيرًا ما تنقلب هذه الجمعيات الأدبية إلى جمعيات خيرية وليس من عجب في ذلك، لأن الجمعيات الخيرية في سوريا ولبنان ناجحة لسهولة تأثر الناس بالدعوة إلى التصدق وصعوبة تأثرهم بالدعوة إلى فكرة علمية أو أدبية، ولأن الجود بالمال أيسر على أمثالنا من الجود بالأدب.

وإن تصدقك على مريض أو بائس بربع ليرة مثلًا أهون عليك من تصدقك ببحث طريف مستفيض لأن قرضنا لله مبلغًا زهيدًا من المال نتوقع أنه سيعوضه علينا بالفائدة الفاحشة ألفًا، هو مثار السذج على الغالب إلى التصدق على البائسين وإلى معاضدة الجمعيات الخيرية لا سيما النسائية منها.

يستنتج مما تقدم أن الدعوة إلى تأييد الصناعة الوطنية من جمعية لا تقصر ما تبتاع على الماَكل والملابس الوطنية، وأن الدعوة إلى التهذيب والأدب من جمعية لا تقوى عضو فيها أن تثير العاطفة أو تخاطب العقل، وأن الدعوة إلى الإصلاح الاجتماعي من جمعية لا تقدر أن تتلمس إليه طريقًا غير الذي ترشدها المبشرات الأجنبيات إليه، وأن الدعوة إلى رفع مستوى المرأة وإصلاح شؤونها بتعديل ما تئن منه من الشرائع من جمعية لا تغامر بشيء في سبيل الإرغام على وضع تشريع جديد يضع حدًا للشكاوي والمظالم. أجل أن هذه الدعوات كلها الملقبة بالنهضة النسائية ما تزال ضعيفة خائرة لضعف القائمات بها ولخور في عزائمهن، ولأن أكثرهن ينتحي بها طريق الشهرة لا طريق التضحية والنكران والمغامرة بالوقت والدرس والمفاداة بالمال والنفس.

وستبقى هذه الدعوات صرخات في واد تصطك منها اَذان المثقفين إلى أن تتحسس المثقفات بضرورة تغذيتها ودعمها بروح العلم وميزان العقل تحقيقًا للغاية منها وإلى أن يتناولن بذورها ليغرسنها في حقول سوريا ولبنان متعهدات بحرث منابثها وسقيها وتنقيتها لتغدو أزهارها حية نامية لا أزهارًا توضع في الاَنية أيام الحفلات لتذبل في الغد ذبول الجني من الأزهار.

ماري عجمي

 

ولها وجوه أخرى

منصة إلكترونية تختص بمتابعة قضايا المرأة في مصر، وتقدم تحليلًا لكل المستجدات التي تطرأ على واقع النساء المصريات، وتحاول طرح حلول للمشكلات التي يعانين منها في مجتمعنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *