أثر العنف لا يزول: فتيات يداوين الجروح بالحكي

في الحادي عشر من أكتوبر في العام 2012، بدأ الاحتفال الدولي بيوم الفتاة بعد اعتماده من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في التاسع عشر من ديسمبر في العام 2011، بهدف الاعتراف بحقوق الفتيات ورفع الوعي بالتحديات اللاتي يواجهنها، بغية اتخاذ التدابير والإجراءات التي من شأنها الحد من التمييز ضدهن وضمان حقوقهن الأساسية في الصحة والتعليم والحياة الاَمنة. وتختار هيئة الأمم المتحدة سنويًا قضية ما لتكون موضوعًا أو شعارًا لليوم الدولي للفتاة، بينما تظل قضايا بعينها محور اهتمام رئيس في كل عام، مثل؛ التعليم وزواج القاصرات والعنف القائم على النوع الاجتماعي بشتى أشكاله.

ويعد العنف الأسري واحدًا من أكثر أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي انتشارًا، وذلك على الرغم من وجود تشريعات تجرم ممارساته في أغلب الدول، إذ تشير الأرقام الأممية إلى أن  نحو 140 دولة من أصل 193 دولة (الأعضاء في الأمم المتحدة) لديها تشريعات للوقاية من مختلف صور العنف الأسري، خاصة الأكثر شيوعًا كزواج القاصرات والاعتداءات الجنسية.

بالتزامن مع الاحتفاء باليوم الدولي السابع للفتاة وإطلاق حملات الدعم بهدف الوصول إلى واقع أفضل للفتيات، نتوقف أمام العنف الأسري الذي تتعرض إليه الطفلات والفتيات ولكن ليس عبر استعراض الأرقام أو الإحصاءات رغم أهميتها ودلالتها، وإنما من خلال أحاديث تشاركنا بها فتيات يخطون خطواتهن الأولى في طريق الشباب على أمل أن تمتص هذه المرحلة ما علق بالنفوس من ذكريات مؤلمة خلال مرحلتي الطفولة والمراهقة.

طاهرتي البنت ولا لسه

«في مثل هذا الشهر قبل ثماني سنوات أتممت عامي التاسع، الذي اعتبره أسوأ عام في عمري حتى الاَن.» جاءت هذه الكلمات على لسان مها – وهو اسم مستعار – في بداية حديثها معنا عن واقعة تعرضت لها أثناء طفولتها، وما تزال اَثارها الموجعة باقية حتى يومنا هذا.

تتابع مها قائلة «بعد إتمامي التاسعة، أضحى شاغل جدتي الشاغل هو طهارتي كما كانت توّصف هذا الاعتداء، وكلما ذهبنا إلى زيارتها سألت أمي بلهجة عنيفة: طاهرتي البنت ولا لسه؟، وفي كل مرة تتذرع أمي بأي حجة لتبرر تأخرها في تأدية المهمة المرتقبة، فتارة ترد قائلة: لما الإجازة تيجي، وتارة أخرى تقول: لما باباها ينزل إجازة، وأحيانًا تقول: لسه بدور على دكتورة كويسة.»

تتذكر مها كيف كان رد أمها يغضب جدتها وتثور ثائرتها متهمةً ابنتها بالتقصير وعدم  تحمل المسؤولية وكثيرًا ما كانت الصغيرة تسمع جدتها تقول لأمها بلهجة تحذيرية «أحسنلك تطاهريها قبل ما تجيلها العادة.» ولم تكن مها تعرف حينها ماهيتي الطهارة والعادة اللتين تتحدث عنهما جدتها، وعندما كانت تسأل أمها عنهما كانت تقول لها «مش وقته، بعدين هتعرفي».

تستطرد مها «قبل أن احتفل بعيد ميلادي العاشر بثلاثة أشهر تقريبًا، سمعت خالتي تحكي لأمي عن معاناة ابنتها والاَلام المبرحة التي قضت أسبوعًا تقاسيها لأنها «اتختنت متأخر»، وكانت أول مرة أسمع كلمة ختان بدًلا عن الطهارة، وأدركت حينها أن التبكير بهذه العملية أفضل وبدا لي أنها أمر لا بد من خضوع كل البنات إليه، فأصبحت أكثر حرصًا على إجرائها وأكرر على أمي السؤال بشأن موعدها»

خضعت مها لممارسة تشويه الأعضاء التناسلية قبل عيد ميلادها العاشر بأسبوعين، وعلى حد وصفها فقد كانت الأيام اللاحقة لخضوعها للختان شاقة وعصيبة، وتقول «كان الوخز شديدًا، كنت أخشى أن أظل على حالي هذه بقية عمري، وكانت صورة وصوت جدتي وهي تلاحق أمي بسؤال: طاهرتي البنت ولا لسه؟، هما ما تستعيده ذاكرتي من حين لاَخر ولهذا السبب قضيت سنوات أشعر بالنفور من جدتي.»

كانت مواقع التواصل الاجتماعي سببًا رئيسًا في معرفة مها بالعديد من الحقائق التي لم تكن تعرفها عن ختان الإناث، وأهمهما  – على حد قولها – أنه ليس شرطًا دينيًا ولم يؤيده الرسول أو يسمح بأن تجريه بناته، كما أدركت أن الجزء المقتطع لا يضر بصحة الفتيات وليس قطعة لحم فاسدة كما قالت لها أمها.

تخشى مها من مناقشة أمها أو جدتها بشأن ما عرفته عن الختان، لأن الممارسة محبذة لدى العائلة ككل، وتتخوف من أن يرين ذلك تجاوزًا منها أو يتخذونه مسوغًا لمعاقبتها. وتختتم «يمكن أقدر اتكلم معاهم قدام بس بردو لو اتكلمت، الكلام مش هيغير حاجة في اللي حصل.»

مفيش نزول إلا بالطرحة

مُنِعت أمنية – اسم مستعار- من الذهاب إلى المدرسة لمدة أسبوعين عندما كانت تدرس بالصف الأول الإعدادي، على إثر تداول زملائها لمقطع صوره أحدهم لها خلسةً، يظهرها ترقص مع بعض زميلاتها في الفصل خلال الاستراحة اليومية. وكانت الفتاة قد فوجئت بالمقطع  منشورًا على حسابات عدد من زملائها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.

سرعان ما وصل المقطع إلى شقيقها الأكبر الذي بدوره نقله إلى والديهما، بعد أن سخر منه أصدقاؤه وأساءوا إليه وإليها مستخدمين لهجة تهكمية تطعن في ذكورته، ليأتي رد فعل الوالدين في منتهى القسوة على حد تعبيرها.

مزقت الأم أغلب ملابس أمنية وانهال الأب عليها بالضرب وتتابع الاثنان عليها بالسب والإهانة، ثم حبساها في غرفتها لما يزيد عن الأسبوع، بعد أن قررا أن لا يتحدث إليها أي أحد في المنزل وأن يمنعا خروجها من الغرفة إلا إلى الحمام بحد أقصى ثلاث مرات خلال اليوم.

وبعد انقضاء فترة العزل التي فُرِضت عليها، أعلمتها الأم بوجه متجهم وصوت حاسم أنها ستعود إلى المدرسة مجددًا، ولكن وهي ترتدي الحجاب وتغطي جسدها من الرأس حتى أخمص القدمين.

حتى يومنا هذا وقد بلغت أمنية عامها الـثامن عشر، لا تدري لماذا عوقبت بهذه الغلظة على الرغم من أن زميلاتها اللاتي ظهرن في المقطع لم يتعرضن للأمر نفسه، بل إن إحداهن حضرت معها أمها إلى المدرسة لتتقدم بشكوى لدى مدير المدرسة ضد الصبية الذين نشروا المقطع.

«كنت أغبط زميلتي تلك، وتمنيت لو كان الله حباني أمًا مثل أمها، تكون لي سندًا وتساعدني على مواجهة المخطئين بحقي. لكن حظي أن أولد بين أسرة تعاقب ابنتها على ذنب لم تقترفه»، تقول أمنية.

يزداد خجل أمنية من جسدها يومًا بعد الاَخر مثلما يزيد خوفها من والديها أكثر فأكثر، وتقول «أتمنى لو لم أكن ولدت بنتًا، فلو كنت ذكرًا مثل أخي ما تعرضت لكل ذلك، وحينها لو كنت رقصت في الشارع أمام عموم الناس وصورتني عشرات الكاميرات ما كان لأحد أن يهتم بالأمر ولا يتوقف أمامه.»

كل ما أشوف سنتي المكسورة افتكر

في ليلة شتوية باردة، عادت رضوى – اسم مستعار- ابنة الأربعة عشر عامًا مترجلةً إلى المنزل بعد انتهاء حصة الدرس الخصوصي، في صحبة زميل لها يسكن في نفس الشارع الذي تقطن فيه. لم يرد إلى خاطرها أي شك في أن تكون عودتها برفقة زميلها سببًا في أشد اعتداء جسدي تتعرض له على يد والدها.

كان الأب في الشرفة عندما دخلت رضوى إلى الشارع مع زميلها، وبعد أن التقطتهما عيناه يسيران معًا باتجاه المنزل، وقف يراقب ما يجري حتى دخلت الفتاة إلى البيت، وعندما قرعت الجرس وفتحت الأم الباب فوجئت بوالدها يتقدم نحوها وهو يحمل الحزام متأهبًا للهجوم عليها.

نهر الأب الأم وطلب منها الدخول إلى غرفتهما، فاستجابت دون أن تتفوه بكلمة، بينما الفتاة تقف أمامه ولا تدري ما سبب هذه الغضبة وما الذي ينتظرها بعد لحظات، حتى أقبل عليها وجذبها من شعرها ليلقيها على الأرض، ثم ينهال عليها ضربًا بالحزام مع توجيه ركلات بقدمه في أنحاء متفرقة من جسدها، لتتسبب إحداها في كسر سن من أسنانها.

لا تتذكر رضوى من إهانات الأب اللفظية أثناء اعتدائه الوحشي عليها سوى قوله «جاية لحد البيت مع واحد الساعة دي.. الناس تقول علينا إيه.. يقولوا عليا إيه.. مخلّف شر****».

تخبرنا رضوى أن الأب لم يكتف بما أحدثه من كدمات على جسدها أو كسره لأسنانها، فقد أصدر حزمة قرارات، من بينها حرمانها من الدروس الخصوصية ومنعها من الخروح للتنزه مع صديقاتها، واستمر هذا الوضع لعدة شهور.

لم تكن الفتاة تتخيل أن يحدث كل ذلك لمجرد عودتها سيرًا على الأقدام بصبحة زميلها، مشيرةً إلى أن الوقت لم يكن متأخرًا حتى يخاف والدها من «كلام الناس»، فلم تكن الساعة قد تجاوزت العاشرة مساءً ولم يكن هناك ما يعيب أو يلفت النظر أثناء سيرها وزميلها معًا.

بحسب رضوى فإن ردود أفعال والدها كثيرًا ما تكون عنيفة، وقد اعتادت على قبولها والتزام الصمت حيالها بناءً على توجيهات  وتعليمات من الأم، إلا أن هذه المرة كانت أشد عنفًا من سابقاتها، وتقول «حاولت أنسى اللي حصل، بس كل ما أشوف سنتي المكسورة افتكر وأحس باَلم في كل جسمي وكأنه كان لسه بيضربني من دقايق.»

تتمنى الفتاة أن تنجح في الاستقلال عن أسرتها، وتعتبر أن أولى خطواتها لتحقيق هذا الهدف هي الانتقال للدراسة في القاهرة مثلما فعلت شقيقتها الكبرى.

 

تم تغيير الأسماء نزولًا عند رغبة صاحباتها

رنيم العفيفي

رئيسة تحرير «ولها وجوه أخرى».. يمكنكم التواصل معها عبر: raneem@wlahawogohokhra.org

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *