المرأة المصرية والتعليم: محطات في طريق تكاثرت فيه العقبات

على الرغم من أن حق النساء في التعليم أصبح معترفًا به على نطاق واسع في مصر وبات بديهيًا بين كثير من الأسر والعائلات، فبحسب استطلاع رأي أجراه المجلس القومي للمرأة بالتعاون مع مركز بصيرة لبحوث الرأي العام وهيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة (UN Women)، حملت عنوان «قضايا المرأة فى عيون المصريين» نشرت نتائجه خلال العام الجاري، فإن 88 في المئة من المصريين يرون أن التعليم يساعد المرأة في بناء شخصيتها المستقلة، لكن في حقيقة الأمر تظل المساواة في التعليم أبعد نقطة في الطريق، وما زالت الأمية منتشرة بين النساء وما انفك التسرب من المدارس قائمًا بمعدلات مرتفعة بين الفتيات، وهذا ما تؤكده الأرقام الرسمية، فوفق إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في العام 2014، فإن ربع المصريين في مصر يعانون من الأمية ونحو 33.6 في المئة من الأميين من الإناث.

تقف خلف هذه الأرقام المُحبطة أفكار وقيم ذكورية إقصائية، ترسخ لكون تعليم المرأة رفاهية يسهل التخلي عنها في حالة الفقر أو لكونه في الأصل حقًا ذكوريًا تزاحم النساء من أجل انتزاعه بدون مبرر بناءً على زعم يقصر دورها ونشاطها على المنزل وخدمة الأسرة.

عندما ينظر البعض إلى هذه الأرقام والحقائق يعتبرها إنجازًا بالنظر إلى الماضي القريب في بدايات القرن الماضي، عندما كانت الأمية هي السائدة وقلة من فتيات الطبقات العليا يمكنهن القراءة والكتابة، لكن إذا ما نظرنا إلى الماضي السحيق، سنجد أننا نعاني ردة كبيرة.

ما بين هذا وذاك نستعرض رحلة المرأة مع التعليم في إطار حرب طويلة كانت الذكورية هي السلاح المستخدم فيها، لإبعاد النساء عن ساحته خاصة النظامي منه الذي يؤهل للانخراط في المجال العام.

صورة أرشيفية

مصر القديمة: التعليم حق أصيل للأنثى

عرفت مصر القديمة أول قاضية مصرية أثناء حكم الأسرة السادسة التي تنتمي إلى عصر الدولة القديمة وهي نبت، حماة الفرعون تيتي مؤسس الأسرة وصاحب أحد أهرامات سقارة، ووفق الباقي من البرديات القديمة فقد كانت أول قاضية في التاريخ تجيد الكتابة مما يعني أن تعليم الإناث كان مستساغًا، لكن بالنظر إلى ما أوردته بعض النصوص الأثرية والسجلات الإدارية القديمة، فقد ارتفع معدل تعليم النساء في عصر الدولة المصرية الوسطى، ثم أضحى في عصر الدولة الحديثة أساسيًا وزادت مشاركة النساء في المهن التي تعتمد على الكتابة، وبحسب ما جاء في كتاب «نساء ضد التيار: رائدات العمل النسائي في مصر» للكاتب هشام نصر، فقد كان للنساء الحق في الالتحاق بأماكن التعليم منذ سن الرابعة وكن يتلقين مبادئ الحساب والرياضيات والهندسة والعلوم، بالإضافة إلى تعليم أصول اللغة الهيروغليفية والهيراطيقية الدارجة للاستعمال اليومي، وفي النهاية تنال الفتاة مثل الفتى لقب «كتابة جائزة على المحبرة» مع السماح لها بالتخصص العلمي في أي فرع من فروع المعرفة.  ويبدو ذلك متسقًا مع تمسك مصر القديمة بالقيم الأمومية في جوانب عديدة، حتى بعد تسلل النظام البطريركي إليها تدريجيًا.

دخول العرب: تحريم خروج المرأة.. مبرر كافٍ لانتزاع حق التعليم

بعد دخول العرب إلى مصر، انزوت المرأة بعيدًا عن المجال العام وانقطعت علاقتها بالتعليم النظامي، بينما اقتصر خروجها من المنزل على الذهاب إلى الأسواق والحمامات العامة. وأصبح المبرر لما طغى من عملية تجهيل متعمدة للمرأة هو تحريم خروجها، استنادًا إلى حديث نصه «المرأة عورة فإن خرجت استشرفها الشيطان»، استُخدِم حينذاك للحيلولة دون عودة المرأة إلى المجال العام وإبقائها داخل المنزل.

بناءً على الدين والجنسية: لبعضهن فرصة في مدارس الجاليات والإرساليات التبشيرية

على الجانب الاَخر، فقد تأسست مدارس أجنبية على أراض الدولة العثمانية التي ضمت مصر والشام والحجاز إلى خلافتها في العام 1517، وقد وجدت الإرساليات التبشيرية المسيحية (الكاثوليكية) أرضًا خصبة لانشاء مدارس للذكور والإناث من المسيحيين والأجانب، إلى حد جعل حصر عددها أمرً صعبًا على الدولة نفسها، وبحسب ما جاء في تقرير قدمه وزير المعارف زهدي باشا إلى السلطان العثماني عبد الحميد الثاني في العام 1894، فقد كان تقديم إحصائيات دقيقة عن المدارس والمؤسسات التبشيرية في الدولة العثمانية أشبه بالمستحيل، بسبب التزايد المستمر في عددها. وقد أقبل أبناء وبنات العائلات المسيحية والجنسيات الوافدة إلى مصر على هذه المدارس، بينما ندر التحاق المسلمين بهذه المدارس.

كان تطوير التعليم من بين مشاغل الوالي محمد علي الذي اعتلى حكم مصر في العام 1805، ومن ضمن مسالك عديدة سلكها، فقد تقدم بعرض إلى الإرساليات التبشيرية الفرنسية في العام 1840 لإنشاء مدارس في مصر، وهو ما لاقى قبولًا وترحابًا من جانب الطرف الثاني، فتأسست أول ثلاث مدارس كاثوليكية فرنسية في مصر، ومن بينها مدرسة الراعي الصالح بون باستور للبنات في العام 1845، إلا أن أول مدرسة رسمية تقيمها الدولة لأجل المصريات كان تلك التي أسسها محمد علي في العام 1831 وعرفت باسم مدرسة «المولدات».

المولدات: خطوة أولى نحو استعادة الحق

يعتبر كثيرون أن عهد محمد علي شهد حركة نهضوية عظيمة بعد أن دخلت مصر نفق الجمود إبان الحقبة المملوكية (حكم المماليك) ولذلك يلقبونه بمؤسس مصر الحديثة، بينما تراه الكاتبة والناشطة النسوية درية شفيق على النقيض من ذلك، وقالت في كتابها «المرأة المصرية.. من الفراعنة إلى اليوم» إن محمد علي كان يعمد  إلى إخفاء مظالمه وسرقاته من الشعب المصري ببعض مظاهر الإصلاح والتعمير، وكان للمرأة نصيب من ذلك الإصلاح، خوفًا من قيمتها في ميزان الثورات ضد الحكام، والإصلاح الأبرز في هذا الصدد كان تأسيس مدرسة لتعليم الفتيات، وتعود قصتها إلى ما اكتشفه كلود باشا الذي أوعز إليه محمد علي الإشراف على مدرسة الطب في العام 1830، وحينها برز رفض المصريين للتعامل مع الأطباء في حالة مرض الإناث، وهو الأمر الذي دفع بمحمد علي إلى إصدار أمر نظامي بإنشاء مدرسة مهنية للمرأة في العام 1831، فألحق بمدرسة الطب مدرسة للحيكمات عرفت باسم «مدرسة المولدات»، ركزت على تعليم الفتيات بعض النواحي الطبية حتى يلجأ إليهن المصريون بدلًا عن القابلات.

في البداية لم تجتذب المدرسة سوى الفتيات القادمات من الحبشة والسودان، حتى فرض محمد علي عقوبات على الفلاحين والجند إذا امتنعوا عن إلحاق بناتهم بالمدرسة، فأدى ذلك إلى زيادة  التحاق البنات، خاصة في ظل مجانية التعليم فيها وإقرار مكافأة شهرية قدرها عشرة قروش في السنة الأولى تظل في تزايد حتى تبلغ 35 قرشًا لطالبة السنة النهائية.

وظل هذا هو التقدم الوحيد على صعيد تعليم الفتيات، خلال فترة حكم محمد علي ومن بعده الخديوي سعيد والخديوي توفيق، فلم يقدم أي منهم على تأسيس مدرسة أخرى أو تطوير نظام التعليم داخل «المولدات».

عهد إسماعيل: التنوير غاية.. مدارس للبنات أوقفها العزل

ظلت «مدرسة المولدات» هي المدرسة الرسمية الوحيدة في مصر لتعليم الفتيات حتى عهد الخديوي إسماعيل الذي أولى التعليم اهتمامًا أكثر من سابقيه، فألزم الحكومة بتحمل نفقات التلاميذ، وشكّل لجنة في 21 مارس من العام 1867 لمناقشة قضية تعليم البنات وإنشاء مدرسة خاصة بهن، إلا أن المشروع وأد في مهده بسبب قلة الموارد المالية، ومن ثم قررت جشم اَفت الزوجة الثالثة للخديوي أن تحقق ما يصبو إليه، وتبنت فكرة تأسيس مدرسة مجانية للبنات، فاشترت في العام 1873 قصرًا في منطقة السيوفية (في نطاق وسط القاهرة) وتبرعت به للدولة بغية تحويله إلى مدرسة للفتيات، وفي 3 أغسطس من العام 1873 نشرت جريدة «الوقائع» خبر تأسيس المدرسة وعنونته بــ«إنشاء مدرسة للبنات داخلية وخارجية للتثقيف والتعليم». وكانت أعمار الفتيات تتراوح بين 7 سنوات و11 سنة واقتصرت الدراسة على خمس سنوات، يدرسن خلالها اللغتين التركية والفرنسية وتحفظ المسلمات منهن القراَن الكريم، فضلًا عن علوم التاريخ والجغرافيا والرياضيات والتدبير المنزلي، بالإضافة إلى العزف على البيانو.

بعد أن نجحت المدرسة السيوفية في استقطاب بنات كبار العائلات، قرر الخديوي إسماعيل زيادة عدد المدارس المخصصة للفتيات، فأصدر قرارًا بإنشاء مدرسة في مدينة المنصورة وأخرى في القاهرة تحمل اسم مدرسة «الأشراف» تقتصر على تعليم بنات الطبقة العليا، إلا أن عزل الخديوي إسماعيل في العام 1879 ألقى بظلاله على المدرستين، فتم إيقافهما وأهملت المدرسة السيوفية لسنوات.

المدرسة السنية: حيث تخرجت رائدات الحركة النسوية المصرية

أحيلت المدرسة السيوفية إلى ديوان الأوقاف في العام 1885، ثم تسلمتها نظارة المعارف في العام 1889 ونقلتها إلى منزل حافظ بك رمضان باشكاتب الدائرة السنية، في شارع المبتديان بإيجار شهري قدره 22 جنيهًا وبعقد مدته ثلاث سنوات، وبعد انقضاء مدة العقد نقلتها إلى مبناها الحالي في شارع خيرت في مواجهة شارع المبتديان وغيرت اسمها إلى «المدرسة السنية»، والسنية هي مؤنث سَنيّ أي من ارتفع قدره وعلا شأنه.

حملت خريجات المدرسة السنية الشهادة الابتدائية، وضمت أول دفعة ملك حفني ناصف التي لقبت بباحثة البادية وتعد من رائدات ما عرف باسم الحركة النسوية المبكرة، إلى جانب كل من فيكترويا عوض وألجرا بلنتر اللاتي حصلن على الشهادة الابتدائية في يونيو من العام 1901، ثم انضممن في أكتوبر من العام نفسه إلى قسم المعلمات بالمدرسة، فنجحت في اختبار دبلوم المعلمات في العام 1903 كل من ملك حفني ناصف وفيكترويا عوض فقط.

ملك حفني ناصف

وكانت المدرسة تضم قسم التعليم الابتدائي ويحق لمن اجتازت هذه المرحلة أن تنضم إلى قسم المعلمات، ليدرسن سنتين يتخرجن بعدها كمعلمات، ثم زادت المدة إلى ثلاث سنوات ثم أربع، وتشجيعًا للطالبات كانت المدرسة تعطيهن مكافأة مالية قدرها جنيهين كل شهر، إلى جانب مكافأة أخرى من الحكومة قدرها جنيهين أيضًا عن كل شهر.

كانت اَخر دفعة تخرجت في قسم المعلمات في العام 1932، ثم أصبحت مدرسة السنية ثانوية مدة الدراسة فيها خمس سنوات، تحصل الطالبة بعد ثلاث سنوات من الدراسة على شهادة الكفاءة وفي نهاية المرحلة تحصل على البكالوريا، واستمرت التعديلات على نظام التعليم في المدرسة حتى أصبحت «مدرسة السنية الثانوية للبنات» التي نعرفها الاَن، تقتصر على ثلاث سنوات دراسية للحصول على شهادة الثانوية العامة.

نبوية موسى.. نشر التعليم بين بنات الطبقة العليا فقط

كانت نبوية موسى من خريجي المدرسة السنية، حيث تخرجت في قسم المعلمات في العام 1906، وعينت معلمة بمدرسة عبّاس الأميرية. احتجت موسى على التمييز في الأجر بين المعلمات والمعلمين الذكور الذين كان بإمكانهم الحصول على درجة البكالوريا التي لا تحصل عليها الإناث، إذ كان راتبها الشهري 6 جنيهات في مقابل 12 جنيهًا للمعلم، فقررت أن تكون أول فتاة تتقدم إلى امتحان البكالوريا، وقد نجحت في الحصول على هذه الدرجة في العام 1907، وبحسب ما أوردته موسى في مذكراتها «تاريخي بقلمي»، فقد كانت هي الفتاة الوحيدة التي حصلت على هذه الدرجة العلمية ولم تحصل عليها أي مصرية بعدها إلا في العام 1928.

نبوية موسى

انتدبتها الجامعة الأهلية المصرية لإلقاء محاضرات تثقيف المرأة في العام 1908، ثم عينتها وزارة المعارف ناظرة لمدرسة «المحمدية الابتدائية للبنات» في الفيوم، وتقول في مذكراتها «كان أهل الفيوم ينفرون من تعليم البنات ويعتقدون أن المتعلمة لا أخلاق لها وإنها تخرج على العادات والتقاليد والشرقية وعلى أخلاق الدين الإسلامي. فلما رأوني أشد تمسكًا بالعادات الشرقية ظنوا في الجهل، ولهذا اضطررت أن أزين غرفة مكتبي بشهاداتي  ليعلموا أني قد بلغت من التعليم قسطًا.»

رشحها أحمد لطفي السيد لتكون ناظرة لمدرسة «معلمات المنصورة»، ثم اختيرت لتكون ناظرة مدرسة «المعلمات» في الإسكندرية، وبدأت رحلة التبشير بالتعليم بين الفتيات المصريات من بنات الطبقة العليا، إذ كانت تعادي فكرة تعليم بنات الطبقة الفقيرة وتعتقد في وجوب تعليم بنات الأغنياء فقط، ومن ثم شاركت في تأسيس مدرسة أهلية للبنات في الإسكندرية بالتعاون مع جمعية «ترقية الفتاة» التي أوكلت إليها إدارتها، وكانت مصروفات المدرسة أكثر من تلك المعهودة بين المدارس الحكومية، ومع ذلك شهدت إقبالًا وهو ما حُسب نجاحًا لموسى.

أول دفعة فتيات في الجامعة

نص دستور 1923 في مادته رقم 19 على «التعليم الأولي الزامى للمصريين من بنين وبنات، وهو مجانى في المكاتب العامة، وكان ذلك أول اعتراف رسمي في مصر بحق النساء في التعليم.»

وجاءت نهاية العشرينيات وتحديدًا العام 1929 بتقدم جديد في طريق النضال من أجل انتزاع حق النساء في التعليم، إذ التحقت أول دفعة من الفتيات بالجامعة المصرية (جامعة فؤاد الأول – جامعة القاهرة)، وكن خمس فقط؛ سهير القلماوي، نعيمة الأيوبي، فاطمة سالم، فاطمة فهمي، زهيرة عبد العزيز، وقد دعم هذه الخطوة عميد الأدب العربي طه حسين، تقلد منصب عميد كلية الاَداب بعد عام واحد من التحاقهن بالجامعة.

بعد 1952: «مجانية التعليم» تركت أثرًا لا يمكن إنكاره

رفعت ثورة يوليو 1952 شعار «مجانية التعليم»، وبحسب الأرقام الرسمية فقد أثر قرار مجانية التعليم الجامعي الصادر في العام 1961 على نسبة الالتحاق بالجامعات، وبعد أن كان عدد الطالبات الملتحقات بالجامعات المصرية في العام الدراسي 1952-1953 نحو أربعة اَلاف، بلغ نحو 52 ألفًا في العام الدراسي 1969 -1970، وقد زادت نسبة التحاقهن بالجامعات من 8.2 في المئة في العام ‏1952‏ إلى ‏32.6 في المئة‏ في‏ العام 1980، إلا أنه بالنظر إلى هذه الأرقام يتبين أن قرارات الدولة وحدها لم تكن كافية لتغيير ثقافة المجتمع تجاه قضية تعليم المرأة، وإن كانت بالفعل نسبة تعليم الإناث في تقدم فهو بَطيء والتسرب من المدارس ظاهرة ونسب الأمية بين الإناث في مصر أكثر من غيرها في دول عربية أخرى، ومما لا شك فيه أن عملية الدفع بزيادة نسب التعليم بين الإناث ما فتئت قاصرة ومبتورة.

مريم صابر

كاتبة متخصصة في شؤون وقضايا المرأة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *