«اختفاء»: الأبوية تقتلنا أحياء في كل زمان

بعد خمس سنوات، قدمت خلالها «نيللي كريم» مسلسلات اجتماعية، أعلنت قبل موسم رمضان الأخير، أن عملها الدرامي للعام 2018 ينتمي إلى فئة مسلسلات الإثارة والغموض، لتخرج من العباءة التي لازمتها طوال مواسم رمضان المنقضية، وعلى عكس مسلسلاتها السابقة، التي تتعدد فيها الشخصيات وتتشابك فيها القصص، فقد استأثرت «كريم» بالمساحة الأكبر من الحضور على الشاشة خلال الحلقات، لا سيما أنها تجسد شخصيتين في المسلسل نفسه، وكل واحدة منهما بطلة قصتها.

يشارك «نيللي كريم» البطولة، «محمد ممدوح» و«محمد علاء» و«هشام سليم» و«بسمة»، والتأليف لــ«أيمن مدحت» والإخراج لــ«أحمد مدحت»، والمسلسل من إنتاج العدل جروب.

باختصار..
تدور القصة في ثلاثة أزمنة، الأول في الوقت الحاضر والثاني في الستينيات والثالث في فترة بينهما، وتلعب «نيللي كريم» دورين، الأول هو «فريدة المنشاوي»، وهي دكتورة جامعية انتقلت للعمل في روسيا بعد ظنها بوفاة زوجها الكاتب «شريف عفيفي» إثر غيبوبة لم يستفق منها لعدة شهور، ثم تكتشف تباعًا أنه ما زال على قيد الحياة، بعد أن عقد مؤتمرًا صحافيًا يكشف فيه عن روايته «اختفاء» التي كانت سببًا في تعرضه للحادث الذي أدخله في الغيبوبة. تعود «فريدة» إلى مصر، بعد أن اعتقدت في اختطاف زوجها بعد المؤتمر، لتبدأ رحلة بحثها عنه والتعرف إلى تفاصيل الرواية التي كتبها «عفيفي»، وتدور حول جريمة ارتكبها رجل الأعمال «سليمان عبد الدايم» ويؤدي دوره «محمد ممدوح» في نهاية الستينيات، حيث قتل رسامًا شابًا يدعى «نادر الرفاعي» والسبب في ذلك حبه لزوجة الأخير «نسيمة سوفاليان» وهي الشخصية التي تجسدها «نيللي كريم» أيضًا.

«نيللي كريم» تحكم قبضتها على الشاشة

بمشاهدة الحلقات الثلاثين، يمكن التيقن من أن «نيللي كريم» هي صاحبة الحضور الأكبر على الشاشة، وإن كانت ليست محركة الأحداث، فإن كل حركة تمس حياتها، وسواء كانت «فريدة» أو «نسيمة»، فكل واحدة تزج بها الظروف في مواجهة مع «سليمان» الذي يمثل سلطةً تفرض وصاية على كلتيهما، ويطال بطشها المحيطين بهما.

سيطرت «نيللي كريم» على الصورة وعلى عين المشاهد في ظل غياب تعددية الشخصيات النسائية، في ظل مبرر درامي لذلك، وهو الرسالة المبطنة التي يرسلها العمل عبر القصتين وما ترمز إليه كل من «فريدة» و«نسيمة» في مواجهتهما ضد نفس الرجل «سليمان» الذي يرمز للسلطة الأبوية.

حضور نسائي محدود وباهت خلف الكاميرا

الحضور خلف الكاميرا كان ذكوريًا، ولم تظهر أسماء النساء في أدوار خلف الكاميرا إلا بشكل محدود، مثل؛ «سارة بولس» كــMakeup Artist، و«نرمين شاكر» كمساعدة مصصمة ملابس، و«نهاد سامي» كومنتيرة مساعد، وشاركت في تنفيذ الإنتاج «دعاء صادق»، وتمثل «إسراء طاهر» الشركة المنتجة (AG Producer)، وشغلت «منية عبد الفتاح» موقع مصممة الملابس، وشغلت «أمل أسعد» موقع المخرج المنفذ.

«نسيمة» و«فريدة»: صراع مشترك مع الأبوية المتسلطة

في البداية تظهر «نسيمة» المصرية الأرمينية كامرأة متحررة، مقبلة على الحياة، تتمسك ببقائها في مصر، رغم هجرة أفراد عائلتها إلى الخارج إبان فترة الحكم الناصري، الذي تتخذ موقفًا معاديًا تجاه سياساته. تتعرف «نسيمة» إلى فنان شاب يدعى «نادر الرفاعي» ويؤدي دوره «محمد علاء»، فتقع في حبه، وتقرر الزواج منه رغم الفارق الاجتماعي بينهما، ومن أجل الحب تفعل كل ما بوسعها ليتحول إلى فنان معروف تُباع لوحاته بأثمان عالية، وحتى يستمر الزواج تضحي بفكرة الإنجاب التي يرفضها.

تبدأ رحلة شقاء سيدة المجتمع وصاحبة الصالونات الفنية التي تقيمها بمنزلها في حي الزمالك الراقي، بعد ظهور جار جديد يدعى «سليمان عبد الدايم» ويؤدي دوره «محمد ممدوح»، وهو في الأصل ضابط في قطاع المخابرات العامة، اسمه «أحمد موافي»، يكلفه مديره «رشدي السيوفي»، بمهمة الإيقاع بـ«نسيمة» وزوجها وأصدقائها، بذريعة أن هذه الصالونات تجمع معارضين للنظام، بينما السبب الحقيقي هو أن الأخير حاول إقناعها بإقامة علاقة معها، وعندما رفضت، فكر في استغلال سلطته للانتقام منها.

الأمر أعقد من ذلك، تكشف الأحداث المتصاعدة كيف كان بإمكان نظام وأجهزة أن تحوّل رأيًا في جلسة نقاش مغلقة إلى جريمة،قد تودي بحياة من قال الرأي ومن ناقشه ومن استمع إليه، ومن ثم فإن الأفراد الذين يملكون سلطة داخل هذا النظام، يحق لهم أن يستخدموا هذه الصلاحية للانتقام ممن يزعجهم أو لا يخضع لهم.

مشكلة «السيوفي» مع رفض «نسيمة» له، تتجاوز حدود شعور ذكر في مجتمع ذكوري بالإهانة على يد امرأة، فهو رجل ينتمي إلى نظام يملك سلطة مطلقة، ويستغل ذلك ليُخضع الجميع إليه، وإن تمرد أحد على ذلك، فالانتقام في انتظاره.

يعالج المسلسل ثنائية التسلط والخضوع، التي غالبًا ما تقود إلى الإذعان التام للمتسلط، وهو ما يظهر من خلال شخصية «درية» التي استسلمت لــ «موافي» واستبداده، بعد أن استغل حياتها الشخصية – بعد تجسسه عليها –  لتجنيدها لصالحه وصالح النظام الذي ينتمي إليه، وقد يقود التسلط إلى تمرد كما ظهر مع «نسيمة» التي قاومت «السيوفي» أولًا ومن بعده «موافي» بعد أن اكتشفت أنه من قتل زوجها «نادر الرفاعي»، حتى بعد أن اتهمها بالجنون، فباتت تقاومه بالصمت تارة، وبالكتابة على الجدران متهمة إياه بقتل «نادر» تارة أخرى، حتى نجت من بطشه بالهروب إلى الدير، حيث اعتزلت العالم واستسلمت لأكذوبة موتها، حتى تأمن على نفسها بعيدةً عنه.

فكرة الحماية هي التي حولت «سليمان» أو «موافي» إلى طوق النجاة في حياة «نسيمة»، بعد وفاة زوجها فيما صوره الأول كجريمة انتحار، ليصبح الجلاد الذي ضيق الخناق عليها وعلى زوجها وحرمهما ملذات الحياة وقطع طريق سعادتهما، هو نفسه المخلّص الذي يحاوطها في كل مكان، وقد بدا وكأنه من تسبب في خروجها من السجن -في قضية ملفقة بفعله- بينما تخلى عنها أصدقاؤها، وأنقذها عندما حاولت الانتحار. كانت «الحماية» أيضًا مبرر «سليمان» لارتكاب جرائمه، فقد أقنع نفسه المريضة بأن تجسسه على الأفراد حماية للوطن وقتله لـ«نادر» حماية لـ«نسيمة»، بينما في حقيقة الأمر فإنه لا يريد سوى الاستئثار بكل شيء، ظنًا منه بأنه يستحق كل ما في يد الاَخرين أو يتمتعون به سواء كان معنويًا أو ماديًا.

وفي عالم «فريدة»، وعلى الرغم من أن الزمن قد اختلف وفقد «سليمان» سلطته كــ«موافي»، لكن ابتزاز الاَخرين ما زال أداته لاخضاعهم إليه، وما برحت الحماية مبرره في استخدام التجسس كوسيلة لتعقبهم، وهو ما يكشفه حديثه مع «فريدة» بعد أن اختطفها خوفًا من أن تفضحه، بعد أن علمت بأنه يتجسس عليها في منزلها. حاول «سليمان» أن يعيد الكرة مع «فريدة»، على أمل أن يصبح طوق النجاة في حياتها ويبعد عنها «شريف عفيفي» فيفوز به، لكنه فشل في تحقيق مراده مثلما فشل من قبل مع «نسيمة».

الخذلان مشترك والتسامح معه معتاد

كان التشابه بين «نسيمة» و«فريدة» في تفاصيل عديدة ودقيقة، فمثلما رفض «نادر» رغبة «نسيمة» في الإنجاب وأغلق الباب في وجه ذلك، فعلها «شريف» مع «فريدة»، ومبرره أنه أنجب من زيجته الأولى ابنة ولا يفكر في ذلك مجددًا، وكما تجاوزت «نسيمة» عائق الفارق الاجتماعي، لتتزوج بالرجل الذي أحبته، تغاضت «فريدة» عن فارق السن بينها وبين «شريف».

وقد عالج العمل تضحية الاثنتين من أجل كل من «نادر» و«شريف» في سياق رومانسي وهو نفس السياق الذي تعامل به مع الأنانية والخذلان من قبل الرجلين تجاه الشخصيتين النسائيتين، مما يصوّر عودة «فريدة» لــ«شريف» وتسامحها مع ما ارتكبه بحقها وورطها فيه بعد أكذوبة اختطاف «سليمان» له، كما لو كانت نهاية سعيدة ورومانسية، لا سيما أنها قُدِمت بطريقة جعلت تسامحها يوازي تسامحًا من «شريف» تجاه ما صدق أنه تخلٍ منها عنه أثناء الغيبوبة، رغم أنها تركته بعد أن علمت أن احتمالية إفاقته تكاد تكون معدومة.

ببعض النمطية.. تحولت «سولافة» إلى امرأة كريهة

«درية» التي تؤدي دورها الممثلة «رانيا منصور» هي نموذج للعديد من النساء في فترة الخمسينيات والستينيات، خاصة هؤلاء اللاتي اشتغلن بالفن، ووقعن تحت مقصلة المخابرات عندما كانت تحت  قيادة «صلاح نصر»، فكانت حيوات النساء تحت المراقبة، وأجسادهن وسيلة لابتزازهن وإرغامهن على خدمة السلطة، بالتجسس على اَخرين أو بيع أجسادهن في مقابل الحصول على معلومات تحتاج إليها الأجهزة السيادية. يوّلد الانكسار الذي كانت عليه «درية»، قوةً ورغبة عميقة في الانتقام لدى ابنتها «سولافة» التي جسدتها «بسمة»، فتظهر كامرأة أنانية، تكذب، تسرق، تضر بأناس اَخرين.

تخطط «سولافة» وينفذ «شريف»، تخادعه بأنها تصدق ما يقول وتؤمن بحقيقة روايته بزعم أنها تحبه، بينما الحقيقة الخفية هي أنها من خطط حتى يدخل في هذه الصراعات ويقف وراء كل الخطوات التي قادته إلى هذه المعركة، بداية من لوحة «نسيمة» التي اشتراها من معرضها، ثم نقله إلى منزلها لتلقي الرعاية بعد أن فقد الجميع الأمل في عودة الوعي إليه، لتصبح بديلًا لــ«فريدة»، فتتحكم فيه وتقود صراعه مع «سليمان عبد الدايم»، وعلى الجانب الاَخر تسعى طوال الوقت لإفساد علاقته بــ«فريدة» بتذكيره أنها صاحبة الفضل عليه بعد أن تركته الأخيرة للموت، وذلك حتى تحافظ على وجوده إلى جوارها لتحقيق هدفها وفضح «سليمان».

مزيد من النمطية تتمثل في جعل شخصية «شريف» بلا قرار فيما تخطط له «سولافة»، وهو ما يدفع به إلى ارتكاب أخطاء تشوه صورته أمام المجتمع وأمام زوجته الأولى «فريدة»، وتفقده ثقة واحترام ابنته، ليظهر كضحية لما تقترفه امرأة أنانية حولته إلى عروس ماريونيت تتلاعب بها لتحقيق مبتغاها، ومن ثم فالنهاية المنطقية أن يتركها الرجل ويعود إلى زوجته الأولى.

مريم صابر

كاتبة متخصصة في شؤون وقضايا المرأة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *