المؤشرات الأولية تضع «كلبش» و«نسر الصعيد» في المقدمة.. لماذا يظل الاحتفاء بالذكورة مفتاح الصدارة؟

كريمة كمال: بنية المجتمع الذكورية سبب تفوق هذه المسلسلات

انتصار السعيد: ما ترسخه الدراما من قيم في دقائق يحتاج إلى سنوات لتغييره

 أمل فهمي: انتقاد الأفعال المقدمة في الدراما لا يتعارض مع حرية الإبداع

عشرة أيام منذ أن بدأ السباق الرمضاني المعهود بين مسلسلات، بلغ عددها هذا العام 29 مسلسلًا، وعلى الرغم من أن المدة – في رأي البعض-  لا تزال غير كافية لإصدار أحكام بشأن مضمونها، لكن سياقًا عامًا وخطًا واضحًا تسير عليه بعض الأعمال التلفزيونية المعروضة يمكننا أن نقرأه بوضوح، وفي هذا الموسم يبرز الاحتفاء الفج بالذكورة على الشاشة من خلال مسلسلي «كلبش – الجزء الثاني» من بطولة  «أمير كرارة»  و«نسر الصعيد» من بطولة «محمد رمضان».

ما يستدعي التوقف أمامه هو أن المسلسلين قد حصدا أعلى المشاهدات عبر موقع يوتيوب – YouTube، منذ الحلقة الأولى لكل منهما وحتى الاَن، ويتصدر «كلبش – الجزء الثاني» المشاهدات، وبالنظر إلى الحلقة الأولى منه على الموقع بعد 6 أيام فقط من العرض، فقد وصل عدد مشاهداتها نحو 7 ملايين مشاهدة، بما يعني أن الحلقة تجاوزت المليون مشاهدة في اليوم الواحد، وهو رقم لم يحققه أي مسلسل من قبل، حتى مسلسل «كفر دلهاب» الذي عرض في رمضان الماضي وحقق أرقامًا كبيرة لم ترق إليها أي مسلسلات أخرى، فلم تتجاوز مشاهدات حلقته الأولى حتى يومنا هذا، الـ8 ملايين ومئتي ألف مشاهدة، بما يعني صعود وتفوق لافت ومثير للانتباه لــ«كلبش – الجزء الثاني».

يطغى الحضور الذكوري على الشاشة من خلال متابعة أي حلقة من حلقات مسلسل «كلبش- الجزء الثاني»، علاوة على إظهار البطل الرئيس وهو «أمير كرارة» في دور «سليم الأنصاري» في صورة المُخَلِّص، البارع في استخدام العنف كوسيلة لاستعادة الحقوق، فضلًا عن البنية الجسدية المحتفية بالذكورة، حيث الرجل مفتول العضلات، صاحب الصوت الأجش، الذي يفتن النساء بقوته وصلابته والأغرب بإساءة معاملتهن وفرض وصايته عليهن.

يشترك «كلبش – الجزء الثاني» و مسلسل «نسر الصعيد» في تقديم شخصية ضابط شرطة بنفس المواصفات تقريبًا، بل إن الأمر مضاعف في الأخير، فالبطل الرئيس وهو «محمد رمضان» يظهر في شخصيتين الأب والابن خلال الحلقات الخمس الأولى، والاحتفاء بالذكورة يظهر منذ الدقائق الأولى لعرض المسلسل، حيث يظهر الأب يمتطي جوادًا، لينقذ رجالات قريته من براثن من يعملون لديهم. وبعد حلقات قليلة ومع تبلور شخصية الابن «زين القناوي» كطالب بكلية الشرطة ومن ثم ضابط شرطة، نرى نسخة أخرى مما يعرضه مسلسل «كلبش – الجزء الثاني»، مع إضافة خلطة تتشابه وما قدمه «محمد رمضان» في عدد من أعماله وتحديدًا «الأسطورة»، حيث الرجل الذي تقع في شباك غرامه النساء على اختلاف أفكارهن، ومستوياتهن الاجتماعية والثقافية.

في مشهد التعارف بينه وبين البطلة «فيروز» وتؤدي دورها «درة»، يكرس العمل إلى مفهوم الذكورة بصورته النمطية، حيث تتعرض إلى التحرش اللفظي في الشارع، بينما يتدخل هو لينقذها، ويعتدي على المتحرشين بشكل استعراضي للقوة العضلية والفحولة الذكورية، ليصبح في نظرها «راجل» كما وصفته لصديقتها.

ما تكشفه الأرقام أيضًا هو تقدم مسلسل «لعنة كارما» من بطولة «هيفاء وهبي»، عن بقية مسلسلات البطولة النسائية المعروضة في هذا الموسم. مسلسل «لعنة كارما» هو محطة جديدة في نفس الطريق الذي تسير  فيه بطلته «هيفاء وهبي»، وهو توظيف الجسد الأنثوي ليصبح محل الإثارة والجذب على الشاشة، وليجعل البطلة هدف العديد من الشخصيات الدرامية الذكورية في العمل، فضلًا عن استغلال البطلة لهذا الجسد بمواصفاته المتسقة مع معايير المجتمع الذكوري والجمال الأنثوي، كوسيلة لإيقاع الرجال ومن ثم الانتصار  عليهم.

من جانبها، تعتقد الكاتبة الصحافية «كريمة كمال» أن سبب تفوق هذه المسلسلات، فيما يخص نسب المشاهدة المعلنة حتى الاَن يرجع  إلى بنية المجتمع الذكورية، خاصة أن هذا النوع من الدراما يروج لصور نمطية معروفة ومقبولة لدى الأفراد.

وتتابع في تصريحاتها إلى «ولها وجوه أخرى» قائلة «إن نقل الواقع الفعلي للمجتمع لا يعني الترويج للمفاهيم الذكورية والصور النمطية.  هناك فرق كبير بين واقع  يكون الفرد راضيًا عنه ومن ثم يروج له، وواقع اَخر غير مرضٍ ويسعى لتغييره.»

وتشير «كمال» إلى  أن موسم دراما رمضان 2018، يشهد عدد  ملحوظ من مسلسلاته، تجسيد صورة البطل في شخصية «ضابط الشرطة»، مما يفرض عدة أسئلة بشأن الرسائل المرسلة عبر هذه المسلسلات وشخوصها.

بحسب «كمال»، فإن القائمين على صناعة الدراما ليس لديهم أي وعي بالقضايا الجندرية والمرأة، بل قد يصل الأمر إلى حد سخريتهم منها، مؤكدةً أنهم غير مهتمين بقضايا النساء وهمومهن ولايصح أن يقوموا بــ«ضربها في مقتل» على حد تعبيرها.

ترى «أمل فهمي» مديرة مركز «تدوين لأبحاث النوع الاجتماعي»، وهو واحد من ثلاث جهات تعمل حاليًا على رصد وتحليل دراما رمضان المعروضة حاليًا  من منظور نوعي، من خلال مشروع «مرايات»، أن نسب المشاهدة المرتفعة لهذه الأعمال على موقع يوتيوب – YouTube، لا تعبر عن المشاهد المصري وحده، ولكن بينهم أيضًا جمهور من دول عربية، ربما يكون هذا هو السبب وراء النسب المرتفعة.

وتستطرد «فهمي» قائلة «الدراما تعكس ما يحدث في المجتمع، وأبرز دليل على ذلك، يمكن قرائته من خلال شخصية البطل، فبعد أن كان التفضيل هو شخصية رجل الأعمال تحول إلى رجل الشرطة، كما هو الحال في عدد لافت من المسلسلات المعروضة حاليًا.»

وتلفت «فهمي» إلى أن هدف صناع الدراما الأساسي هو تحقيق الربح التجاري، من خلال تجسيد شخصيات أو نماذج يسعي ويتطلع أفراد المجتمع العاديين إلى أن يكونوا مثلها.»

الأمر ذاته تؤكد عليه، «انتصار السعيد» مديرة مؤسسة «القاهرة للتنمية والقانون»، وتقول إن  أغلب كتاب الدراما ينساقون وراء الفكرة السهلة البسيطة التي تجذب الجماهير، بغض النظر  عن قضايا المرأة، مشيرةً إلى أنهم متأثرين بأفكار المجتمع ومعتقداته.

وتضيف «السعيد» أن الدراما مراَة عاكسة لقضايا المجتمع، وهو مجتمع ذكوري وبنيته أبوية، ومع ذلك يظل هناك دور منتظر  من قبل القائمين على صناعة الدراما، لكن لا يقومون به، لأسباب تلخصها في الاستسهال، والوقوع في فخ التنميط، والبقاء كأسرى للأبوية.

وتردف «السعيد» قائلة «كون المسلسلات تعكس صورة الواقع الفعلي للمجتمع، فهذا لا يعني التماهي مع الأنماط الذكورية. بالتأكيد هناك خط فاصل بين الواقع الفعلي والصور النمطية، لأن الدراما تقدم قيمًا للمجتمع، وعدد من أبطال المسلسلات قدموا قيمًا سلبية للغاية خلال موسم رمضان الماضي وما قبله.»

في هذا الصدد، تستشهد «السعيد» بما قدمه الممثل «محمد رمضان» في مسلسل «الأسطورة»، الذي عُرِض في موسم رمضان للعام 2016، عندما أجبر  في أحد حلقاته، شخصًا على ارتداء ملابس النوم النسائية في إشارة إلى إهانته أمام الناس، وهو ما تكرر بعد ذلك بنفس الصورة على أرض الواقع.

وتشير  «السعيد» إلى أن نسبة مشاركة العنصر النسائي في البطولات الرئيسة، ضعيفة للغاية مقارنة بما تم إنجازه من أعمال درامية على مدار السنوات الماضية، بعد حالة من الزخم في الدراما، التي تشارك فيها النساء، كبطلات للعمل ومخرجات ومؤلفات ومصورات.

وفي هذا الصدد تقول «أمل فهمي» إن تعرض المشاهد إلى هذه النماذج السلبية يخلق ما يشبه القبول المجتمعي تجاه هذه الشخصيات، حتى في حالة اعتراضه على سلوكها، وهو ما يمهد الطريق لمهاجمة أي شخص يحاول الخروج عن الأنماط أو الصور الذهينة التي تجسدها هذه الشخصيات عبر الدراما، مشددةً  على أهمية تقديم نقد لأفعال هذه الشخصيات والنماذج ضمن السياق الدرامي، هو ما لا يتعارض مع حرية الإبداع، ولكنه  نقد معني بحجم التأثير الذي تحدثه هذه المسلسلات على الجمهور.

في ختام تصريحاتها إلى «ولها وجوه أخرى»، تعبر  «انتصار السعيد» مديرة مركز «القاهرة للتنمية والقانون»، عن أمنيتها  في أن يهتم الكتاب والمخرجون بقضايا المرأة والمساواة، سواء من خلال الورش التي ينظمها ويحاضر فيها المهتمون والمهتمات بالشأن السنوي والعمل العام، مشددةً على أهمية هذا الأمر  في ظل التأثير الكبير  والملحوظ للدراما في المجتمع المصري، لا سيما أن ما يترسخ من قيم بسبب الأعمال الدرامية في دقائق معدودة، يستغرق سنوات طويلة لمعالجته.

مروة محمد

صحافية متخصصة فى تغطية شؤون وقضايا المرأة، يمكنكم التواصل معها عبر: Marwahafez323@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *