قصتي مع «بقعة الدم» التي أعيش لأخفيها

هذه الحكاية ننقلها على لسان صاحبتها

كنت في الحادية عشرة حينها، ولم أكن أعرف شيئًا عن الأمر، ولا سمعت به من قبل، لذلك لم أدرك سبب الاَلم الذي يمزق بطني ويهشم عظام ظهري لأكثر من ساعة، وكان علي التحمل في صمت، حتى تعود أمي من العمل، أو تستيقظ جدتي العجوز.

استمر الاَلم، وازدادت حدته، فوجدت الحل في أن أخلد إلى النوم، لكن النوم نفسه لم يستجب لتوسلاتي إليه، حتى يغلبني، فقد كان الاَلم أقوى وأعصى، وفجأة بدأت أتحسس سائلًا ينزل مني، فسارعت إلى الحمام.

أصابني الهلع، عندما وجدت ملابسي الداخلية، ضرجها الدم، «ما الذي حدث؟»، انهمرت دموعي من شدة الخوف، وصرخت استغيث بجدتي، لكن صراخي لم يوقظها كالعادة.

«أنا سأموت»

خرجت من الحمام أركض، باتجاه الهاتف، واتصلت بأمي لأخبرها. كنت أبكي وجسدي يرتجف، بينما تستمع إلي أمي بهدوء، وهي تحاول طمأنتي، وبعد أسئلة كثيرة وجهتها إلي، لمعرفة ماهية هذه الدماء بالضبط، أكدت لي أنها لن تقتلني كما أظن، وأنها عادة ستلازمني لسنوات طويلة، وهي نفسها تأتيها هذه العادة الشهرية.

عادت أمي إلى البيت، فساعدتني على تغيير ملابسي، وأعطتني فوطة صحية، وشرحت لي بالخطوات، كيف استخدمها، نظرت إلى الفوطة بدهشة، “هذه الأشياء التي كنت أرى إعلاناتها في التلفاز، وتقول لي أمي إنها «حاجات كبار».

«كيف أصبحت من الكُبار بهذه السرعة؟»

أعطتني مسكنًا للاَلام، وبدأت تعرفني إلى هذه العادة الشهرية، فقالت إن هذه الدماء ستنزل كل شهر تقريبًا، وطلبت مني أن أدون اليوم الذي تبدأ فيه دورتي في كل مرة، حتى أتمكن من تحديد المدة بين كل دورة والأخرى، وحتى لا أفاجأ بنزولها، دون استعداد مسبق، قالت أيضًا إنها ستستمر لعدة أيام ربما أربعة أو خمسة، وقد تصل إلى أسبوع كامل، ثم شرحت لي أسباب الاَلم الذي يصاحب نزول الدم.

أثناء حديثها، تردد سؤال برأسي «لماذا لم تخبرني بكل هذا، من قبل، حتى لا أعيش تلك اللحظات المخيفة؟»

بابتسامة تعبر عن فرحة حقيقية، لم أفهم حينذاك أسبابها، قالت «أصبحت عروس يا حبيبتي»، وتابعت «لازم تاخدي بالك من تصرفاتك، ولازم نغير شوية حاجات.» أدركت لاحقًا أن هذه الجملة كانت مقدمة لسلسلة من الأوامر والقرارات، كان منها؛ حرماني من ارتداء المايوه، الذي تطور إلى حظر التنورات القصيرة والفساتين، ثم فرض ارتداء الملابس ذات الأكمام الطويلة، وصولًا إلى إرغامي على ارتداء الحجاب بعد أن “بلغت” وصار فرضًا علي ارتداؤه، وباتت توصيني ليلًا نهارًا، بألا أسمح لأي ذكر بالاقتراب مني، والحفاظ على مسافة فاصلة بيني وبين أي منهم، بما فيهم شقيقي الأصغر.

في ذلك اليوم، شددت أمي على وجوب ألا يعلم أخي بالأمر، وإلا ستحاسبني إن استشعر شيئًا، فقضيت سنوات عديدة، أحاول إخفاء كل شيء، الاَلم وسببه، اَثار الفوط الصحية، وإفطاري خلال شهر رمضان عندما يأتي موعدها. كل هذا استمر حتى بعد أن أصبح أخي يعلم تمامًا بالدورة الشهرية، لأن أمي والمجتمع يريدان أن أتعامل مع أمر معلوم للجميع كسر أو شيء محرَّم، لا بد من إخفائه.

قالت إحدى المعلمات في مدرستي، إن الدورة الشهرية عقاب الله لحواء، بعد أن أكلت التفاحة المحَّرمة، وقد ورثته النساء عنها. صدقتها اَنذاك، خاصة أن عددًا من زميلاتي في المدرسة، أكدت لهن أمهاتهن، صحة ما قالته المعلمة.

وفي إحدى المرات، كنت أبكي من شدة الاَلم، وناجيت ربي، رجوته أن يخلصني منه، ونظرت إلى السماء وعاتبته بسذاجة قائلة «يارب هي غلطت ومسمعتش كلامك، بس أنا مالي، ليه أفضل أتعاقب بسببها.»

رسخت جدتي في ذهني،  أن الدورة الشهرية هي دليل على أنني ناقصة عقل ودين، وكانت كذلك من المؤمنين أنها عقاب الله لحواء الذي ورثناه عنها. أتذكر عندما سألتها عن الذي أكل التفاحة أولًا، اَدم أم حواء، فردت بثقة، لتؤكد أنها حواء، واستطردت «لأن الست ضعيفة بطبعها أكتر من الراجل، سمعت كلام الشيطان.»

خصصت جزءًا من خزانتي للملابس السوداء، وفرضت على نفسي ارتداؤها خلال الأيام الأولى للدورة الشهرية، خشية أن يلتفت الناس إلى أي بقعة دم قد تظهر على ملابسي، وذلك بعد  أن فوجئت في أحد الأيام، بفتاة توقفني في الشارع، لتخبرني بأن تنورتي الوردية، عليها بقعة دم. كانت ورطة بالفعل، فإذا تجاهلت الأمر ومضيت في طريقي، سأسمع كلامًا بذيئًا، فهذه ليست بقعة قهوة.

لحسن حظي، كنت أحمل حقيبة ظهر، فحاولت إنزالها قدر الإمكان، حتى تتدلى وتغطي موضع البقعة، لكن ذلك لم يكن كافيًا، لمنعي من متابعة نظرات المحيطين، خوفًا من  أن تلتقط عين أي رجل من السائرين بقعتي.

أنا أسأل نفسي دائمًا «لماذا كل هذا الخوف من شيء خلقني الله به، ولماذا يجب أن أخفيه، رغم علم الجميع به؟»

مؤخرًا، صرت أرى على الشبكات الاجتماعية، مقاطع مصورة، وقصص مكتوبة، وصور  تناهض فكرة الوصم الاجتماعي المرتبط بالدورة الشهرية، وفي حقيقة الأمر، هذه الأشياء لا تغضبني ولا أراها وقاحة، لكني اعتقد أنها غير مجدية، فالغالبية العظمي، تربت وصدقت واقتنعت، أن الدورة الشهرية عيب تتوارثه النساء.

كما قالوا لي أن الدورة الشهرية عقاب، قالوا لي أيضًا إن استمرارها هو دليل الأنوثة والخصوبة، وعندما تتوقف سأصبح أنثى من الدرجة الثانية، ولذلك بعد أن تجاوزت الثلاثين بقليل، تغيرت علاقتي بدورتي الشهرية. أريدها أن تستمر لاَخر العمر، حتى لا أصبح في نظر الاَخرين «أنثى ناقصة».

لدي يقين أن الدورة الشهرية، لو كانت شيئًا يرتبط بالرجال، لما صارت وصمة وما أضحت شيئًا مخجلًا، بل ربما تحولت إلى دلالة على قوة تحمل الرجل، ولم ينظروا لها كعقاب، بل كانوا سيعتبرونها نعمة، ويعددون جوانبها الإيجابية، فالوصم من نصيب النساء فقط.

رنيم العفيفي

رئيسة تحرير «ولها وجوه أخرى».. يمكنكم التواصل معها عبر: [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *