الفتيات لا يتسلّقن الأشجار: أنطولوجيا الجسد الأنثوي في رواية «نساء بلا رجال»
كتبـــــــت: شهد مصطـفى
تُسوّق الأنظمة الديكتاتورية والثيوقراطية إلى أن ما تمارسه من قمع فكري وجسدي هو مجرد أداة ضبط هدفها الحفاظ على استقرار العائلة الكبرى المتمثلة في المجتمع، وحمايتها من التفكك والانهيار الذي قد يودي بالأوطان والأمم إلى الفناء، وكثيرًا ما تُقرِن هذا الانهيار بخروج النساء عن المسار المحدد لهن أو بولوجهن المناطق المحرمة.
تعد الكتابة الإبداعية أداة من أدوات النساء لمراجعة المسموح واستكشاف المحظور، ولهذا تظل مصادرة الكتب ركنًا أساسيًا من أركان الحكم الديكتاتوري والثيوقراطي، تعتمد عليها الحكومات لدرء أي تهديد للسردية الأحادية التي تحتكرها وتستغلها في التكريس لوصايتها على المجتمع وسد منافذ التحليل والنقد التي قد تخلخل ركائز حكمها، فلا تتوانى تلك الحكومات عن حظر المؤلفات التي تحفّز النساء على تأمل وتدبر واقعهن أو تحرضهن على إعادة النظر فيما جُبِلنّ على الالتزام به من دون سؤال.
من بين المؤلفات التي لاقت هذا المصير رواية “نساء بلا رجال” للروائية الإيرانية شهرنوش بارسيبور، التي صادرتها حكومة الجمهورية الإسلامية في العام ۱٩٨٩ قبل أن تُلقي بكاتبتها في السجن، بغية ردع أي امرأة قد تستخدم قلمها وخيالها لتأمل موقعها داخل العائلة، أو تشريح علاقتها بجسدها وحدود معرفتها به، أو مراجعة تصوراتها عن نفسها وعن الأخريات في ضوء الأفكار المغروسة فيهن. ورغم أن الرواية لا تزال محظورة في إيران فقد نالت شهرةً واسعة بوصفها إحدى كلاسيكيات الأدب النسوي الإيراني، ووصلت إلى ملايين القارئات والقراء حول العالم بعد نشرها في السويد وترجمتها إلى نحو ثلاثين لغة؛ كالإنجليزية والعربية والفرنسية والألمانية. وقد أهلتها النسخة المترجمة إلى الإنجليزية على يد الأكاديمي فريدون فاروخ لدخول القائمة الطويلة لجائزة البوكر، وإن كان مجيء الترشيح بداية العام الجاري رغم صدور هذه الترجمة في العام ۲۰۱۱ يثير بعض التساؤلات بشأن ما إذا كانت الدوافع وراء قراري الترشيح والاختيار أدبية بحتة أم هناك دوافع سياسية كذلك، خاصةً أن الاختيار تزامن مع انتفاضة شعبية كبرى ضد النظام الحاكم في إيران تلاها إعلان الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على البلاد.
تنطلق أحداث الرواية التي تنتمي إلى أدب الواقعية السحرية تزامنًا مع انقلاب العام ۱٩۵۳ في إيران، حين خططت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بالتعاون مع المخابرات البريطانية وبموافقة من الشاه محمد رضا بهلوي لإزاحة رئيس الوزراء المنتخب آنذاك محمد مصدق في أعقاب إعلان حكومته تأميم صناعة النفط، وهو ما اعتبرته الدولتان تهديدًا لمصالحهما الاقتصادية في إيران. وقد اتخذت الكاتبة شهرنوش بارسيبور من الانقلاب العسكري وما لحق به من اضطرابات خلفيةً لقصص نسائها الخمس. ويجتمع في هذا الانقلاب متناقضان، فمن ناحية يجسد امتدادًا للنظام العائلي الأبوي الذي ينتزع سلطته بالقوة والهيمنة ويعامل من هن/م خارج دائرة السلطة كقُصَّر يجب تقييد عقولهن/م وأجسادهن/م. ومن ناحية أخرى، تمنح الفوضى التي لازمت الانقلاب هؤلاء النساء فرصةً للخروج من السجن المفتوح، الذي تجسده العاصمة، في لحظة ارتباك خاطفة يتنازع فيها رجالات السلطة على المغلاق، لتقودهنَّ السبل إلى الاجتماع في بيت يحيطه بستان واسع في مدينة كرج، حيث يتشاركن المكان والقرار والعمل غير محكومات بأعراف المجتمع الخارجي وقوانينه.
![]()
اعتمدت الكاتبة في سردها على دمج الواقعية بالسريالية لتعبّر عن مشاعر ورغبات لدى هؤلاء النساء يعجزهن الواقع عن تحقيقها أو البوح بها، ورغم أن ثمة إفراطًا في توظيف العناصر السريالية أفقد العديد من الشخصيات عمقها وجعل دوافع بعض قراراتها وتصرفاتها تبدو غامضةً، فقد مكّن في الوقت ذاته الشخصيات النسائية الخمس، في ظل ما يواجهن من قمع، أن يتجاوزن حدود تلقي الحدث إلى صناعته، ومكّنهن أيضًا من التمرد على النهايات التي أراد الرجال، خاصةً من الإخوة والأزواج، أن يفرضوها عليهن.
السن والعذرية يمثلان موضوعًا جوهريًا في حيوات الشخصيات النسائية، فتبعًا لهما تتحدد القيمة الاجتماعية والاقتصادية للمرأة. وقد أبرزت الكاتبة العذرية كوسيلة مجتمعية لا تهدف إلى السيطرة على جسم الأنثى فحسب، بل إلى تقييد قدرتها على استكشافه والتواصل معه لتبقى في حالة انفصام عنه، مثلما هو الحال مع شخصية مونيس التي تتعرف وهي في الثامنة والثلاثين من عمرها إلى حقيقة أن غشاء البكارة ليس بغشاء، لتدرك أن أسرتها أوهمتها منذ طفولتها أنه كالستارة سهل التمزق وأن الله لا يغفر لمن تتمزق ستارتها لأي سبب وبأي شكل. تكتشف مونيس أنها عاشت أسيرة وهمٍ وخوفٍ حرماها من تحقيق أحلام عديدة، مثل حلم تسلق الأشجار التي كانت تطيل النظر إليها بتلهفٍ، متمنيةً لو لم يكن هناك غشاء يحول بينها وبين ذلك الحلم.
أما فايزة التي تشرّبت الأفكار الذكورية فصارت تستعذب العنف وتبرر القيود، فقد أيدت قتل صديقتها مونيس على يد شقيقها، بدعوى أنها فارقت بيت العائلة لمدة شهر دون أن تخبر أحدًا، ووصفت الجريمة بالواجب لحماية شرف العائلة، بينما نزعت صفة الشرف عن صديقتها معتبرة أن الموت مصيرًا محتمًا لمن تفعل فعلها. غير أنها همت بمساعدة القاتل على دفن جثة مونيس لعلها تفوز به زوجًا بعد أن آزرته وحمته وصارت كاتمة سره. لكن فايزة لم تنل مرادها، لأن أمير خان، شقيق مونيس، كان يرى أن كل من تتجاوز العشرين وتظل بلا زواج مثلها تستحق الرثاء. أما هو كرجل فلم تلاحقه يومًا شكوك أو تساؤلات بشأن حياته الخاصة رغم بلوغه الأربعين، وعندما قرر الزواج اختار فتاة في الثامنة عشرة ظنًا بأن صغر السن كفيل بضمان أنه ما من رجل قد سبقه إلى ممارسة الجنس معها.
لم تشأ الكاتبة شهرنوش بارسيبور أن تنتهي قصة مونيس بمقتلها وأن تنتشي ذكورية شقيقها بالزواج من عذراء صغيرة، فجعلت مونيس تعود إلى الحياة لتواجه فايزة بخيانتها وينقلب ميزان القوى لصالحها، وحينها لم يجسر شقيقها على فعل شيء، حتى عندما نعتته بالحماقة لتصوره أن صغر سن العروس يضمن أنه ما من رجل آخر سبقه إلى ممارسة الجنس معها، بعد أن كشفت له أن زوجته ليست كذلك وتوعدته بالانتقام في حال قرر تطليقها أو إيذاءها لهذا السبب.
ليس الرجال وحدهم في هذا المجتمع هم من يقرنون القيمة الاجتماعية والأخلاقية للمرأة بالعذرية، بل النساء أيضًا يفعلن ذلك، إذ قالت مونيس عن فايزة -رغم ما ارتكبته بحقها- إنها أفضل من عروس شقيقها لمجرد أنها عذراء. وحين تتعرض كلتاهما إلى جريمة اغتصاب في أثناء رحلة الخروج من طهران، تُحمّل فايزة مونيس مسؤولية ما حدث، ويقتصر كلامها على ما سيلحق بها من عار وفضيحة جراء فقدان العذرية، فلا توصف ما جرى كاعتداء وجريمة بحقهما.
هناك مشكلة عميقة في هذا الجزء من الرواية الذي تتعاطى فيه الكاتبة مع جريمة الاغتصاب كحدث عابر في مسار الشخصيتين، كما أنه قد بدا مقحمًا ليكون موضعًا يبرز فيه التحول في نظرة مونيس للعذرية وجدواها في حياتها، مقابل الاقتناع الدفين لدى فايزة بأن العذرية هي دليل الشرف، ومن ثم جاء الحدث كاستعراض سطحي للاعتداء معزولاً عن الهياكل الاجتماعية والسياسية التي سوّغت وقوعه. فضلًا عن أن تصوير الكاتبة لمقاومة فايزة للمغتصب كرد فعل مبعثه الخوف على العذرية فقط واستسلام مونيس لعدم اكتراثها بالعذرية، يصب في اتجاه تكريس المنطق الذكوري الذي يعتبر الاعتداء الجنسي طامة كبرى على العذراوات، بينما هو أقل وطأة على غير العذراوات بدعوى أنه ليس لديهن الكثير ليخسرنه.
فضلًا عن العذرية، تبرز السن في رواية “نساء بلا رجال” كعاملٍ آخر يؤثر في القيمة الاجتماعية للمرأة، إذ تعاير فايزة مونيس بعمرها المتقدم زاعمةً أن فتور رد فعل الأخيرة إزاء فقدان عذريتها نابعٌ من يأسها ويقينها بأنه لا فرص لها في الزواج، وتظهر الفكرة ذاتها عندما يتعمّد زوج السيدة فروخ أن يعيد ويكرر على مسامعها مصطلح “سن اليأس” ليصف حالها بعد أن تجاوزت الخمسين، ثم يصبح عمرها ذريعته لتبرير رغبته في الزواج الثاني، فيخبرها بأنه يعتقد أن تعدد الزوجات مباح لكيلا يضطر الرجل إلى العيش مع امرأة منقطعة الطمث. هكذا تبرز بقوة لدى العديد من الشخصيات حالة التماهي في الثقافة الاجتماعية التي ترى المرأة كسلعة استهلاكية ترتهن صلاحيتها بالخصوبة، وفي خلال فترة الصلاحية يكون جسدها عرضةً للاستنزاف والاستغلال الجنسي والإنجابي.
الاستغلال الجنسي ليس فعلًا فرديًا في حالة زارين، العاملة بالجنس التجاري غير المقنن في إيران، وإنما تصوّره الكاتبة نظامًا استهلاكيًا يقوم على استنزاف النساء جسديًا وجنسيًا ومعنويًا، فبعد أن كانت زارين تخدم أربعة إلى خمسة زبائن يوميًا في مراهقتها، تضاعفت حصتها اليومية لتصل إلى عشرين زبونًا وهي في السادسة والعشرين، وهي ملزمة بتلبية رغباتهم من الصباح إلى أطراف الليل وإلا طردتها صاحبة البيت الذي تعمل به، وإذا اشتكت من ضغط العمل فالإهانة والضرب هما الرد. مع ذلك لم تجعل الكاتبة زارين شخصية ميلودرامية تستثير الشفقة، فهي على النقيض من بقية الشخصيات النسائية لا تتفاوض مع النظام الأبوي لنيل قبوله، وهي الوحيدة بينهن التي تتمتع بوعي رؤيوي مكنها من إدراك حقيقة أبناء هذا النظام من الرجال برؤيتها لهم أجسامًا بلا رؤوس لا تمايز بينها، مجرد أجسام لا عقل يحركها، رجال يفتقرون إلى الشعور والفهم الإنسانيين. لكن هذه الرؤى التي لازمتها لستة شهور دفعتها إلى الخروج من هذا البيت لتتحرر من سرها وألمها في رحلة تتماثل مع ما كان يفعله الإمام علي بن أبي طالب بحثًا عن التحرر الروحي وزوال الأعباء النفسية. وقد كانت حالة التناظر التي صورتها الكاتبة من بين الأمور التي أثارت حفيظة المتشددين تجاه الرواية عند نشرها لأول مرة.
الشخصية النسائية الخامسة هي مهدخت، وهي الأكثر سريالية والأقل تأثيرًا في أحداث الرواية، لا سيما عندما تتشابك مصائر الشخصيات ويتشاركن العيش في بستان السيدة فروخ، وكان ذلك سببًا رئيسًا وراء تخلي المخرجة الإيرانية شيرين نشات عن هذه الشخصية عندما قررت تحويل الرواية إلى فيلم سينمائي.
مهدخت اختارت أن تحول نفسها إلى شجرة هروبًا من العالم الذي ترفضه رغم أنها تستبطن قناعاته وأفكاره. إذ لا ترغب في أن يقيدها زواج تقليدي أو إنجاب أطفال كثار، فهي تحب أن تفعل ما تشاء خلال يومها بعيدًا عن مراقبة أخيها، وتطمح أن تُحدِث تغييرًا كبيرًا يُكتَب باسمها. في الآن ذاته، تغمرها رغبة دفينة في أن تكون امرأة مثالية وفقًا لمعايير وتوقعات المجتمع، ولا تستطيع إلا أن تحكم على النساء الأخريات استنادًا إلى ثقافة هذا المجتمع.
عندما رأت مهدخت البستاني وعاملة المنزل يمارسان الجنس شعرت باشمئزاز شديد، ليس مبعثه قلق على الفتاة ابنة الـ۱۵ ربيعًا التي قد تكون ضحية استغلال جنسي على يد هذا الرجل، فما أغضبها هو ممارسة الفتاة للجنس خارج إطار الزواج، لاقتناعها بأن ذلك عار على الفتاة ودليل على سوء خلقها.
يُمكِن النظر إلى هروب مهدخت بالتحول إلى شجرة بوصفه هروبًا مزدوجًا؛ هروبًا من المجتمع الذي لا يرى لها جدوى أو قيمة فيه ما لم تتزوج وتنجب، وهروبًا من ذاتٍ تنازعها التناقضات. كما أن الكاتبة منحت شخصيتها في هذا التحول فرصة للخروج من الركود إلى رحاب مفعمة بالتغيير والتطور، لتترك بصمة واسعة الأثر كما كانت تتمنى، لأن نهاية الشجرة مهدخت النادرة كانت الذوبان لتغدو بذورًا تطوف العالم.



by