“جنفييف سيدراوس” أو “مدام جين” كما عٌرِفَت في الأوساط الأدبية، هى صحافية ورائدة من رائدات الحركة الشيوعية وسينمائية مؤخرًا، انخرطت في السياسة مبكرًا ودفعت ثمن صمودها في وجه الاضطهاد باهظًا، واتصلت بالحركة النسوية عبر حوارات صحافية أجرتها مع رموز مثل درية شفيق، وأمينة السعيد وسيزا نبراوي.

ولدت “سيدراوس” في أغسطس من العام 1925، نشأت مع والدتها التي كانت تتمتع بذكاء حاد على الرغم من أميتها، التحقت بمدرسة الأمريكان فى الفجالة وزاملت الناقدة والمترجمة “فاطمة موسى”، في جامعة القاهرة حيث التحقت بكلية الاَداب اشتغلت بالصحافة، وكان لها أثرها في تثقيفها سياسيًا، مع الإشارة إلى أن عقلها قد أثرته النقاشات والمناظرات التي كان يعج بها بيتها منذ الطفولة.

19202732281439102618-11855700_1618284625088434_2345804246035212454_n

في الجامعة أيضًا، جذبها العمل الطلابي وكان ذلك في أواسط الأربعينات من القرن الماضي، وانضمت للحركة الوطنية واشتركت فى أحد التنظيمات الشيوعية، تطالب بتحرير الوطن من الاحتلال الإنجليزى، وظلت هي الفتاة الوحيدة في التنظيم حتى انضمت “فاطمة موسى”.

حصلت “جين” على ليسانس الاَداب قسم اللغة الإنجليزية، ثم ماجستير في الصحافة فدبلوم في الآثار.

عملت فى جريدة “السياسة” و “البلاغ” بعد أن التحقت بمعهد الصحافة وترأست قسم المرأة في بعض المجلات مثل “الجماهير” التي قدمت فيها حوارات مع عدد من رائدات الحركة النسوية، ومن أبرزها تسجيلات مع سيزا نبراوي، تدور حول الحركة النسوية ورائدتها “هدى شعراوي”.

إلى جانب الصحافة عملت بالترجمة، وترجمت عدة أعمال أدبية مثل “بيجماليون” ومسرحية “التبغ”.

كانت الكتابة ملاذها حتى في وقت الضيق، وعندما تعرضت لأزمة مالية، اشتركت فى مسابقة لعمل كتاب باللغة الإنجليزية يتعلق بالقضية الفلسطينية قيمة الجائزة المادية 500 جنيهًا.

البحث عن الحرية انتهى بها حبيسة جدران السجن

اعتُقِلَت مرتين، الأولى فى عهد الملك فاروق فى نهاية الأربعينيات وأفرج عنها بعد أقل من سنة بدون تحقيق أو قضية، والثانية فى عام 1959، عندما ألقت السلطات المصرية القبض على معظم الشيوعيين المصريين وقضت ما يقارب الخمس سنوات.

في إحدى المقابلات التي أجرتها “جنفييف” في عام 2004، قالت إنها تعتبر الشيوعية “سعدية عثمان” أسطورة، لمحاربتها من أجل الحصول على التعليم وحق المشاركة السياسية.

وتعد “سعدية عثمان” من مؤسسات أول تنظيم نسائي يساري وتقدمي في مصر، وقد روت “سيدراوس” في الحوار نفسه أن “سعدية” أخفتها لديها في منزلها، لمنع القبض عليها، لكن اعتقلت في النهاية وحوكِمت عسكريًا وصدر حكم بحبسها في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

وصلت إلى السجن مع 17 مناضلة أخرى أبرزهن؛ ليلى شعيب وليلى عبد الحكيم ونوال المحلاوي ومحسنة توفيق وسيدة حسن وأسماء البقلي وكانت على وشك الولادة وسعاد الطويل وسميرة الصاوي وعايدة بدر وزينات الصباغ وأميمة أبو النصر وبعد شهرين؛ حل عليهن كل من إنجي أفلاطون ووداد متري.

356773_0

“سيدراوس” تعتبر فترة المعتقل ذات تأثير كبير على شخصيتها، حيث عززت فيها الصبر وتحمل الصعاب، فقد مرت بالعديد من الصعاب، وعاشت الكثير من الاَلم هى ومن معها ومنهن من كان زوجها معتقلًا أيضًا يتعرض لأقسى أنواع التعذيب الذي قد يودي إلى الموت في بعض الأحيان.

في السجن، تعاونت المناضلات الشيوعيات في تثقيف بعضهن البعض، فصرن يحاضرن أمام بعضهن، وحاضرت “جنفييف” في اللغة الإنجليزية.

كادت تفقد حياتها في السجن، بعد أن أضربت عن الطعام، مطالبة بتحسين الظروف المعيشية المتردية المفروضة عليهن، وتمت الاستجابة على مضض حتى تم الإفراج عنهن على 3 دفعات.

أثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 عُينَت كقائدة للحركة الاعلامية ضمن المقاومة الشعبية، وقامت هذة الحركة بتجميع الناس وتشجيعهم على المقاومة.

السينما عشق لا يموت

469067_149982_Org__-_Qu65_RT728x0-_OS1600x1066-_RD728x485-

في السبعينات من عمرها، قررت دراسة السينما، وفعلت ذلك دون النظر إلى تقدمها في العمر، لتؤكد من جديد على جسارتها،  ثم أخرجت فيلم”الحضارة المصرية نبل وسمو وخلود” وشارك هذا  الفيلم في عدة مهرجانات دولية وحصل على جائزة أفضل فيلم تسجيلي من المركز الكاثوليكي للسينما في عام 2001، بعده أخرجت فيلمها الثاني”اللغة السينمائية عند المصريين القدماء”.

عيد ميلادها الـ90، احتفل به عدد من الأدباء بمركز دال للدراسات والأبحاث، وشهد الاحتفال الإعلان عن صدور كتابها «في سجن النساء» عن دار نشر بيت الياسمين، بالإضافة لعرض فيلمها التسجيلي «اللغة السينمائية عند المصريين القدماء»، وعقب عرض الفيلم قالت “سيدراوس”: “بدأت علاقتي مع الحضارة المصرية القديمة تختلف بصورة كبيرة، من خلال دراسة الآثار، وعقب الدراسة ومعرفتي بأهمية وعظمة الحضارة المصرية القديمة، كنت أحلم أن أصور أفلامًا عن الحضارة المصرية القديمة، فقد كان أحد أحلامي المؤجلة دراسة السينما.”