لا يمكن التعامل مع قضية الإجهاض الانتقائي بناءً على جنس الجنين التي تستهدف الأجنة الإناث، باعتبارها مجرد تمظهر للانحياز ضد الإناث وكراهيتهن، أو مطالعتها كانعكاس لتأخر مجتمعات أو أعراق عن أخرى، فهذه الممارسة تجذرت في مجتمعات عديدة من جراء تضافرٍ وتشابك وثيقين بين مجموعة من القوى الهيكلية التي جعلت المكانة الاجتماعية والثقافية والقيمة الاقتصادية للإناث أقل من تلك التي يحظى بها الذكور في ظل النظام العالمي الحالي، فلا يمكن النظر إلى الثقافة الذكوريــة بوصفها السبب الأوحد وراء عمليات الإجهاض الانتقائي للأجنة الإناث لأن الطبقة والرأسمال لهما دور، والعرق والواقع الجغرافي لهما تأثير، فضلًا عن دور الحوكمة السياسية والاقتصادية.

استبيان مدى صدقية هذا الطرح نبتغيه عبر معاينة واستكشاف نموذجي الهند والصين الذين يسجلان أعلى معدلات الإجهاض الانتقائي للأجنة الإناث، وبحسب صندوق الأمم المتحدة للسكان فإن هذين البلدين يحتكران من ٩۰ إلى ٩۵ في المئة من الأجنة الإناث المفقودة حول العالم التي يتراوح عددها بين ۱,۲ و۱,۵ مليون سنويًا.

استجلاء القوى الهيكلية وراء المنحنى التصاعدي للإجهاض الانتقائي

بيد أن الإجهاض الانتقائي على أساس جنس الجنين لا يمثل سوى نسبة ضئيلة من إجمالي عمليات الإجهاض التي تُجرَى سنويًا، فإن نسبته ترتفع على نحو ملحوظ في بعض البلدان في مناطق جنوب وشرق آسيا وشرق أوروبا، فقد عرفت هذه البلدان تزايدًا في معدل إجراء عمليات الإجهاض الانتقائي في أعقاب انتشار وسائل الكشف عن جنس الجنين عن طريق التصوير بالموجات فوق الصوتية (السونار) منذ بداية الثمانينيات، وتأتي الهند في مركز متقدم في القائمة حيث تتخذ فيها عمليات الإجهاض الانتقائي للأجنة الإناث منحى تصاعديًا منذ أكثر ثلاثة عقود، وكانت قد كشفت صحيفة ذا هندو (The Hindu) في العام ۲۰۰۲ أن أنثى واحدة من كل سبع أجنة إناث في إقليم دلهي يجري إجهاضها، وأوضحت كذلك بعض التقارير الرسمية أن ٤٨۰ ألف من الأجنة الإناث تم إجهاضها سنويًا فيما بين العامين ۱٩٩۵ و۲۰۰۵.

أحد الأسباب الرئيسة وراء الإخفاق في معالجة هذه الأزمة الممتدة وفق الباحثة الهندية سوغاندا ناغبال هو الخطاب التعميمي أحادي النظرة الذي يتعامل مع الممارسات الثقافية الأبوية بوصفها المسوغ الأول والأخير وراء الإجهاض الانتقائي للإناث، إذ تشدد الباحثة الهندية على الحاجة إلى تحليل متعدد الأبعاد يولي أهمية للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي تنظمها هياكل أبوية وقبلية هرميـة وتأثيرها المباشر على الأزمة.

تضطر بعض النساء الهنديات إلى إجهاض الجنين إذا تبين أنه أنثى نتيجة ضغوط -وأحيانًا تهديدات- الزوج أو عائلته أو كليهما، وبعض آخر منهن يقرر أن ينهي الحمل من دون ضغوط صريحة من المحيطين بهن، اعتقادًا بأن ذلك سيكون أفضل من إنجاب فتاة في ظل نظام عائلي يبخس حقوق الإناث الاجتماعية والاقتصادية، ويعتبرهن عبئًا يراد التخلص منه في أقرب وقت ممكن، وقد كشف ذلك عدد من النساء الهنديات اللاتي روين قصصهن مع الإجهاض الانتقائي لصحيفة ذا تريبيون الهندية (The Tribune India) في خلال العام ۲۰۰۱.

تبين القصص التي نشرتها الصحيفة أن انعدام رغبة هؤلاء النساء في إنجاب الإناث ناتجة عن خوف من أن تعاني بناتهن مما يعانينه أنفسهن، وقد جاء على لسان إحداهن أن السبب الذي دفعها إلى الإجهاض الانتقائي هو عدم وجود مكان لها في بيت العائلة، بالإضافة إلى اقتناعها بأنها لو انجبت أنثى ستكون بالتأكيد في وضع أسوأ منها، لأن «أبناء شقيق زوجها الذكور سيحصلون على السمن والحليب ويرثون أرض العائلة بينما لن تحصل ابنتها حتى على رغيف خبز.»

في السياق ذاته، تجادل الباحثة الهندية ماليكا كور ساركاريا بأن السبب المباشر لارتفاع نسبة عمليات الإجهاض الانتقائي للأجنة الإناث في المناطق الشمالية للهند هو الاعتقاد بأن البنات عبء ثقيل على كاهل الأسر والعائلات، لأن الحفاظ على عفة الفتاة وتزويجها مبكرًا هما هاجس لدى العائلات، كما أن التكاليف الاقتصادية لزواج الابنة هي مبعث قلق للوالدين، إذ تشير ماليكا كور ساركاريا إلى أن تكاليف المهر تأتي على رأس المبررات التي تتذرع بها الأسر عند اتخاذ قرار الإجهاض الانتقائي للإناث خاصةً في المناطق الريفية حيث تفرض الأعراف السائدة على أسرة العروس تقديم مال أو ماشية أو سلع ثمينة إلى العريس لكي يتم الزواج، وهو ما يؤدي في كثير من الأحايين إلى استنزاف مدخرات الأسر ذات الدخل المحدود أو الاضطرار إلى الاستدانة.

هذا الطرح تؤكده دراسة صادرة في العام ۲۰۲۲ توصلت نتائجها إلى أن الهنديات والهنديين الذين يواجهون صعوبة في توفير احتياجاتهم من الطعام أو الدواء أو السكن هم أكثر تأييدًا للإجهاض الانتقائي على أساس الجنس من أولئك الذين لا يواجهون هذه الصعوبات المالية.

ومع ذلك، تكشف الباحثة الهنديـة ماليكا كور ساركاريا أن رؤية النساء كعبء اقتصادي لا تقتصر على الطبقات الفقيـرة، إذ تفضل العائلات الميسورة أيضًا إنجاب الذكور على الإناث للحفاظ على أملاكها ونسلها، ولهذا تواجه نساؤها كذلك ضغوط قد تدفعهن إلى الإجهاض الانتقائي على إثر تخوفات رجال العائلة من أن يسعى زوج الابنة في مرحلة ما إلى تمكينها من الحصول على ميراثها مما يعني خسـارة العائلة لأرض أو مال لصالح عائلة أخرى.

ارتفاع معدلات الإجهاض الانتقائي للأجنة الإناث في الهند لم يوقفه وجود قانون يجرم الممارسة منذ أكثر من ثلاثين عامًا، وتعزي الباحثة الهندية سوغاندا ناغبال ذلك إلى مضمون القانون الذي ينشغل فقط بمسألة عمليات الإجهاض الانتقائي على أساس الجنس، التي تراها عرضًا من أعراض مشكلة أكبر ولهذا فشل القانون في إحداث تغيير على أرض الواقع كونه لا يتعاطى مع ديناميات التمييز المنهجية ضد النساء حسب وجهة نظرها.

وفي إطار نقدها للتشريع القائم، تسلط سوغاندا ناغبال في بحثها الضوء على العلاقة المباشرة بين عودة ممارسات قتل الإناث عقب الولادة إلى الظهور في ولاية البنجاب وتركيز الحكومة المحلية حصرًا على منع عمليات الإجهاض الانتقائي للجنس من دون استهداف العوامل الهيكلية التي أدت إلى نشوء هذه الأزمة وديمومتها. فضلًا عن أن حكومة البنجاب تبنت لتحقيق غايتها استراتيجية ترتكز إلى انتهاك خصوصية النساء وإرهابهن من خلال تتبع ومراقبة النساء الحوامل، وتحفيز أفراد المجتمع المحلي على الإبلاغ عمن يسعين منهن إلى إجراء عمليات الإجهاض الانتقائي نظير مكافآت مادية.

في المنحى ذاته، لم تهدف الإجراءات التي اتخذتها الحكومات المحلية في الهند منذ التسعينيات إلى معالجة أحد أهم مسببات ارتفاع معدلات الإجهاض الانتقائي وهي رؤية الفتيات كعبء اقتصادي على الأسرة بل إن بعضها كرس إلى هذا الاعتقاد، وأحد أبرز الأمثلة على ذلك هو مشروع «مولودة المهد» الذي أطلقته حكومة ولاية تاميل نادو في العام ۱٩٩۲ لتشجيع الوالدين غير الراغبين في إنجاب الإناث على الاحتفاظ بالأجنة حتى الولادة ثم التخلي عن المولودات بشكل مجهول، عن طريق وضعهن في مهود مخصصة لذلك الغرض في المستشفيات ومراكز الرعاية الاجتماعية أو دور الأيتام.

أما بالنسبة للصين فتجنح كثير من التحليلات إلى ربط شيوع عمليات الإجهاض الانتقائي بسياسة الطفلـ/ة الواحد/ة، التي فرضتها الحكومة على معظم سكانها منذ العام ۱٩٧٩ وحتى العام ۲۰۱٦ في إطار خطتها لمواجهة الزيادة السكانية المتسارعة التي كانت تعدها معوقًا رئيسًا أمام مساعي الحد من الفقر المدقع والنهوض بالاقتصاد. لكن في حقيقة الأمر سياسة الطفلـ/ة الواحدة لم تكن أكثر من عامل محفز، فقد ساعدت بالفعل في زيادة عمليات الإجهاض الانتقائي للأجنة الإناث بعد أن تحولت إلى ملاذ لكثير من الأسر التي تريد أن يكون لديها أبناء ذكور في إطار حجم الأسرة المحدد، لكن اللجوء إلى هذه العمليات قبل وفي أثناء وبعد وجود سياسة الطفلــ/ة الواحد/ة تقف وراءه دوافع اجتماعية واقتصادية وثقافية تجعل مسألة إنجاب الذكر بالنسبة لكثير من الأسر احتياجًا.

على مدى آلاف السنين تجذرت الفلسفة الكونفوشيوسية في البنية الاجتماعية الصينية، فترسخت قيم العائلة الممتدة والتسلسل الهرمي داخلها والتراتبية بين الجنسين واعتبار الرجل قائدًا والمرأة تابعةً، ومن ثم وقر في الأذهان اعتقاد بأن الابن هو امتداد العائلة الذي يحافظ على بقاء نسلها، وأضحت العائلة تعوّل على الابن في معظم الأمور بما فيها تحمل مسؤولية الوالدين في الكبر على المستويين المادي والمعنوي والنهوض برعايتهما سواء بمفرده أو بمشاركة زوجته في حال كان متزوجًا. في المقابل لا تحظى الابنة بالمكانة نفسها، بل هي مطالبة بالتمسك بدورها الانجابي للحفاظ على التماسك الاجتماعي، وعند زواجها تنتقل تبعيتها إلى الزوج وعائلته حيث تعاونه في رعاية والديه لا والديها ويحمل أبناؤها اسم عائلة الزوج لا عائلتها، ولهذا يرى العديد من الصينيين أن إنجاب الذكر والانفاق عليه استثمارًا مضمون العائد.

أمر آخر يؤكد أن سياسة الطفلـ/ة الواحد/ة لم تكن هي السبب الرئيس في ارتفاع معدلات الإجهاض الانتقائي للأجنة الإناث في الصين هو انتشار عملياته في المناطق الريفية التي كان غالبيتها مُعفَى من سياسة الطفلـ/ة الواحد/ة، إذ أوضحت دراسة استقصائية صدرت في العام ۲۰۰٤ أن ۳٦ في المئة من حالات الإجهاض الطوعي في المناطق الريفية في وسط الصين كانت عمليات إجهاض انتقائية للأجنة الإناث، ويتصل هذا بالأفكار القارة لدى هذه المجتمعات التي تحسب الذكر أكثر انتاجية على عكس الأنثى، غير أن الأسر التي لم تنجب ابنًا واحدًا على الأقل غالبًا ما تواجه نظرة ازدراء من المحيطين.

توقن العائلات في الريف أنه في غياب الأبناء الذكور ينقطع نسل العائلة ويغدو اسمها ولقبها في طي النسيان، كما أنها تعد إنجاب الذكور ضمانة الحفاظ على الأملاك فلا أحد ينزع ملكية أرض أو عقار من رجل قبل الزواج أو بعده أو حتى في حالة عدم الزواج والإنجاب، وهذا ليس الوضع بالنسبة للنساء إذ لا يزال قطاع واسع من العائلات في المناطق الريفية في الصين يحرم النساء إذا تزوجن من خارج العائلة من امتلاك أو ميراث أي أراض زراعية أو سكنية، وقد أبرزت بيانات للاتحاد النسائي لعموم الصين أن ٧۰ في المئة من حالات انتهاك حقوق النساء في ملكية الأراضي في القرى بين العامين ۲۰۰۰ و۲۰۱۰ تخص نساء متزوجات.

النسوية الغربية وإعادة تدوير سرديات إنقاذ نساء الشرق من أنفسهن ومجتمعاتهن

في كتابها «التعايش مع التناقضات: جدليات في الأخلاقيات الاجتماعية النسوية»، تشدد أليسون جاغار المؤلفة والأكاديمية النسوية الأمريكية على الأحقية المطلقة للنساء في إنهاء الحمل طوعيًا وقتما أردن لأنهن المتأثر الأكبر بالقرار مقارنة بأي طرف آخر سواء كان الجنين أو الشريك، وهي وجهة نظر تهيمن على النقاش النسوي بشأن قضية الإجهاض في الجانب الغربي من العالم. وتميل كذلك كثير من الاتجاهات النسوية في هذا الإطار إلى توصيف حرمان النساء قانونيًا أو بأي تدخل آخر من حقهن في إنهاء الحمل كشكل من أشكال القمع الأبوي الذي يجبر النساء على التضحية مثلما تحاجج الأكاديمية النسوية سالي ماركويتز في مقالها «الإجهاض والنسوية» الذي توصّف فيه إرغام النساء على الاستمرار في الحمل بفعل إجبار على التضحية، يمارسه الرجال عبر تشريعات ذكورية. لكن الخطاب النسوي الغربي، لا سيما الليبرالي، رغم إقراره بأحقية النسـاء في اتخاذ قرار إنهاء الحمل من عدمه تبعًا لظروفهن الصحية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية ورفضه لتدخل أشخاص أو مؤسسات في قرارات المرأة المتعلقة بجسدها أو تقييم دوافعها، تكتنفه مشكلة جوهرية نتيجة انطلاقه من منظور ضيق لتعريف النساء بالإضافة إلى أن ثمة ازدواجية يضمرها هذا الخطاب بشأن مفهوم الحق والأحقية خاصةً أنه يقرنهما في أغلب الأوقات بنساء من لون وعرق وجنسيات بعينها.

يؤشر الخطاب النسوي الليبرالي في الغرب إلى أن النساء في جنوب وشرق آسيا أو المهاجرات من هذه المناطق اللاتي يجرين عمليات الإجهاض الانتقائي، هن في حاجة إلى الحماية والإنقاذ نتيجة الافتراض المسبق والجامد بأن هؤلاء النساء مستضعفات ومكبلات يضطررن إلى الإقدام على هذه الخطوة إما تحت إرهاب وضغط عائلي ومجتمعي لا يمكنهن مقاومته وإما نتيجة استلاب فكري جعلهن تروسًا في ماكينة تضخ الذكورية، وهذا الاتجاه في التحليل والتنظير يتعارض مع القناعات التي تبرز في صدارة هذا الخطاب وترفض إخضاع دوافع النساء لإجراء عمليات الإجهاض إلى تقييمات أخلاقية، فضلًا عن أنه يطرح جانبًا تأثير العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ودورها في تشكيل تجارب النساء وتوجيه مساراتهن.

من ناحية أخرى، فإن السرديات الغربية كثيرًا ما تميل إلى تأطير مسألة تفضيل الذكر كمشكلة عرقية تنحسر في المجتمعات «غير الغربيـة»، كما لو كان تفضيل الابن الذكر وانتقاء جنس الجنين غائبًا أو غريبًا عن الحواضر الغربية وهو افتراض بعيد عن الحقيقة، لأن الإجهاض الانتقائي على أساس الجنس إذا لم يكن شائعًا في هذا النطاق الجغرافي، فهناك ممارسات أخرى لاختيار جنس المولود المراد مثل فرز الحيوانات المنوية أو التشخيص الجيني قبل الزرع والتخصيب التي على النقيض من الإجهاض الانتقائي لا يلازمها وصف الجريمة وتروج إليها العديد من المؤسسات الطبية والإعلامية عن طريق صياغات لطيفة مثل «تحقيق التوازن الجندري في ديناميكيات الأسرة» حتى تضفي صبغة أخلاقية على هذه الممارسات تسهم في تعزيز تسويقها إلى جمهور المستهلكين في إطار تجارة عالية التكلفة والربح في الآن ذاته للخدمات الإنجابية، تستفيد منها دول قليلة على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي لا تحظر التشخيص الوراثي قبل الزرع والتخصيب لاختيار جنس الجنين، وسط حالة تطبيع على مختلف المستويات مع هذه العمليــات التي قلما تظهر أصوات في الداخل تطالب بتجريمها أو تتهم من يقمن بها بالرجعية والتماهي في المنظومة الذكوريــة.

*الصورة الرئيســة حاصلة على رخصــة الاستخدام من موقع Pexels